من أسرار التلاعب بالعقول!

من أسرار التلاعب بالعقول!

علي دنيف حسن
لم تعد أسرار التلاعب بالعقول خفية عن الكثير من الناس ولا سيما المهتمين بهذا الأمر، وقد باتت الكثير من تلك الأسرار تتكشف نتيجة البحوث الكثيرة في ميادين علمية مختلفة أبرزها علوم اللغة وعلم النفس والإعلام والاتصال. ومع كثرة هذه البحوث واتاحتها للجميع إلا ان الكثير من الناس ما زالوا يبحثون عمن يخدعهم بأساليب وحيل كلامية أغلبها قديمة للأسف.
أول هذه الحيل ما يمكن ان نسميه بالمقارنة المتعسفة، أي مقارنة شيئين يبدوان متشابهين في الظاهر إلا انهما يختلفان كل الإختلاف من نواح ووجوه عديدة في واقع الأمر، ومن ذلك ان يقارن أحدهم أغنية لمطرب ريفي من الدرجة الثالثة بأغنية تعد من روائع أم كلثوم أو عبد الحليم حافظ، وهذه مقارنة متعسفة الهدف منها الحط من قيمة الغناء العراقي، وكان الأحرى بالمقارن ان يقارن ما بين مطربنا الريفي المتواضع وما يماثله من مطربين آخرين، وعلى نفس المنوال كان بعض ضباط الجيش العراقي السابق يحطون من قيمة المراتب العسكرية الدنيا بهذه الحيلة نفسها فيقولون لأحدهم:
أأنت نائب عريف، وهتلر نائب عريف؟!
ويمكن بالطبع ايراد امثلة على هذه الحيلة في شتى مجالات الحياة، ويتناسى اصحاب هذه الحيلة اختلاف الواقع والظروف بين نموذجي المقارنة.
ومن الحيل الأخرى العبارات المجانية التي لا تقدم معلومات دقيقة عن الواقع مثل:
الغالبية العظمى، والكثير، وبعض، وعلى طريق الازدهار والتقدم، والعيش الرغيد، ونسبة عالية جدا، وضئيلة جدا، والغد المشرق، والاقبال الشديد أو المحدود، وبلا حدود وبلا نهاية، وهي عبارات كثيرة لا يمكن عدها في هذه الاطلالة السريعة.
مثل هذه العبارات يمكن ان تثير المشاعر الايجابية أو السلبية في نفوس متلقيها على الرغم من انها قد تكون غير مبنية على وقائع حقيقية، وهنا تكمن خطورتها المتمثلة بالتأثير في عقول المتلقين.
من الحيل الأخرى اللجوء إلى لغة الأرقام، وتعتمد هذه الحيلة على عجز العقل الانساني عن المقارنة السريعة فيما يتلقاه كأن يقال لبعض العاملين ان خمسة بالعشرة فقط هو ما تم اقتطاعه من مخصصاتكم، وسترى عقول العاملين ان تلك النسبة ضئيلة جدا لأول وهلة، وهذا ناتج عن تعامل عقولهم مع الأرقام البسيطة. لكن الحقيقة ان هؤلاء العاملين سيصابون بالصدمة إذا ما قيل لهم ان خمسين بالمئة هي نسبة ما تم اقتطاعه من مخصصاتكم، وهذا هو الواقع الفعلي للنسبة المئوية.
وعلى هذا الغرار يتم تسعير الكثير من السلع والبضائع استنادا لهذه الحيلة نفسها فبدلا من ان يقال لك ان سعر هذه السلعة مليون دينار، يقال لك ان سعرها 970 ألف دينار فقط، وبذلك تنسى كلمة المليون الصادمة، ولا تفكر حتى بالسبعين ألف المضافة على التسعمئة ألف، ويرى عقلك ان الرقم المطلوب هو تسعمئة فقط، وفي مثل هذه الحيلة تلعب كلمة( فقط) دورا سحريا جاذبا لأنها تدل على ان ما قبلها مبلغ ليس له أية قيمة.
ومن ذلك، ما نراه مكتوبا على لافتات تنفيذ مشاريع الاعمار والبناء، إذ نجد انها تحدد بالأشهر لا بالسنوات لكي لا يصاب قارئها بالصدمة، فيكتب ان مدة التنفيذ 36 شهرا فقط والمقصود طبعا ثلاث سنوات كاملة، وسيذهب عقل القارئ إلى الأشهر ويتصور انها قليلة جدا لا سيما وانها متبوعة بكلمة( فقط) السحرية، وسيعدها مدة قليلة جدا وكأنها أيام لا سنوات طويلة.
بمرور الأيام تزداد الحيل( لم أشأ ان اسميها أساليب) وتتشابك مع الصورة ولغة الجسد ومؤثرات أخرى، وهي موضوع دراسة وبحث متجدد في دول الغرب وتدرس على وجه خاص للقادة والمسؤولين ولنجوم المجتمع، أما نحن فليس سوى ميدان تجارب لتلك البحوث والدراسات!

– See more at: http://www.elaph.com/Web/NewsPapers/2014/3/885070.html#sthash.aIwJef4S.dpuf

استراتيجيات تشومسكي العشر للتحكم بالشعوب..

هذه الاستراتيجيات العشر أثارت ضجة واسعة عند نشرها مؤخرا, و قد ضمنها المفكر الأمريكي ذائع الصيت "نعوم تشومسكي" كتابه "أسلحة صامتة لحروب هادئة"..

الاستراتيجيات تتناول الطرق التي تستخدمها وسائط الاعلام في التحكم بالشعوب و توجيهها..

استراتيجيات تشومسكي العشر تستحق الوقوف عندها, فهي بشكل أو بآخر قيد التطبيق العملي...في معظم دول العالم
1- استراتيجية الالهاء "distraction

و هي عنصر أساسي في التحكم بالمجتمعات, و تتمثل في تحويل انتباه الرأي العام عن المشاكل الهامة و التغييرات التي تقررها النخب السياسية و الاقتصادية,و يتم ذلك عبر وابل متصل من الالهاءات و المعلومات ال########ة .

استراتيجية الالهاء ضرورية أيضا لمنع العامة من الاهتمام بالمعارف الضرورية في ميادين مثل العلوم ,الاقتصاد,علم النفس,بيولوجيا الاعصاب و علم الحواسيب....
حاقظ علي تشتت اهتمامات العامة, بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية,واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات اهمية حقيقية..

اجعل الشعب منشغلا, منشغلا,منشغلا,دون أن يكون له أي وقت للتفكير و حتي يعود للضيعة مع بقية الحيوانات.
2- ابتكر المشاكل تم قدم الحلول..

هذه الاستراتيجية تسمي أيضا"المشكل-ردة الفعل-الحل".

أولا نبتكر مشكلا أو "موقفا" متوقعا لنثير ردة فعل معينة من قبل الشعب, حتي يطالب هذا الأخير بالاجراءات التي نريده أن يقبل بها.

مثلا ترك العنف الحضري يتنامي حتي يطالب الشعب بقوانين أمنية علي حساب حريته...أو ابتكار أزمة مالية حتي يتم تقبل التراجع علي مستوي الحقوق الاجتماعية و تردي الخدمات كشر لا بد منه..
3- استراتيجية التدرج:

لكي يتم قبول اجراء غير مقبول يكفي أن يتم تطبيقه علي نحو متدرج,, مثل أطياف اللون الواحد "من الفاتح الي الغامق", علي فترة تدوم 10 سنوات, و قد تم اعتماد هذه الاستراتيجية لفرض الظروف السوسيو-اقتصادية الجديدة بين الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي....بطالة شاملة,هشاشة,مرونة,تعاقد خارجي و رواتب لا تضمن العيش الكريم,,و هي تغييرات كانت ستؤدي الي ثورة لو تم تطبيقها دفعة واحدة.
4- استراتيجية المؤجل

و هي طريقة أخري يتم الالتجاء اليها من أجل اكساب القرارات المكروهة القبول و حتي يتم تقديمها كدواء "مؤلم لكنه ضروري"....و يكون ذلك بكسب موافقة الشعب في الحاضر علي تطبيق شيء ما في المستقبل.

ان قبول تضحية مستقبلية يكون دائما أسهل من قبول تضحية حينية..أولا لأن المجهود لن يتم بذله في الحين..ثانيالأن الشعب له دائما ميل لأن يأمل بسذاجة أن "كل شيء سيكون أفضل في الغد"..و أنه سيكون بامكانه بشكل أو بآخر تفادي التضحية المطلوبة في المستقبل..
و أخيرا,يترك كل هذا الوقت للشعب حني يتعود علي فكرة التغيير و يقبلها باستسلام عندما يحين أوانها..
5-مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار:

تستعمل غالبية الاعلانات الموجهة لعامة الشعب خطابا و حججا و شخصيات و نبرة ذات طابع طفولي , و كثيرا ما تقترب من مستوي التخلف الذهني,و كأن المتلقي طفل صغير أو معوق ذهنيا..!!

كلما حاولنا مغالطة المتلقي كلما زاد اعتمادنا علي تلك النبرة..لماذا ؟

"اذا خاطبنا شخصا كما لو كان طفلا في سن الثانية عشر, فستكون لدي هذا الشخص اجابة أو رد فعل مجردة من الحس النقدي بنفس الدرجة التي ستكون عليها ردة فعل أو اجابة الطفل ذي الاثني عشر عاما"
6- استثارة العاطفة بدلا عن الفكر:

استثارة العاطفة هي تقنية كلاسيكية تستخدم لتعطيل التحليل المنطقي و بالتالي الحس النقدي للأشخاص..كما أن استعمال المفردات العاطفية يسمح بالمرور للاوعي.حتي يتم زرعه بأفكار,رغبات,مخاوف,نزعات, أو سلوكيات..
7- ابقاء الشعب في حالة جهل و حماقة:

العمل بطريقة يكون خلالها الشعب غير قادر علي استيعاب التكنولوجيات و الطرق المستعملة للتحكم به و استعباده..

يجب أن تكون نوعية التعليم المقدم للطبقات السفلي هي النوعية الافقر..بطريقة تبقي اثرها الهوة المعرفية التي تعزل الطبقات السفلي عن العليا غير مفهومة من قبل الطبقات السفلي..
8-تشجيع الشعب علي استحسان الرداءة :

تشجيع الشعب علي أن يجد أنه من "الرائع" أن يكون جاهلا..
8-تشجيع الشعب علي استحسان الرداءة :

تشجيع الشعب علي أن يجد أنه من "الرائع" أن يكون جاهلا..
9- تعويض التمرد بالاحساس بالذنب: 

جعل الفرد يظن أنه المسؤول الوحيد عن تعاسته,و أن سبب مسؤوليته تلك هو نقص في ذكائه و قدراته أو مجهوداته....و هكذا و بدلا من أن يثور علي النظام الافتصادي,يقوم بامتهان نفسه و يحس بالذنب..و هو ما يولد دولة اكتئابية يكون أحد آثارها الانغلاق و تعطيل النحرك..و دون تحرك لا وجود للثورة...
10- معرفة الأفراد أكثر مما يعرفون انفسهم:

خلال الخمسين سنة الفارطة حفرت التطورات العلمية المذهلة هوة لا تزال تتسع بين المعارف العامة و تلك التي تحتكرها و تستخدمها النخب الحاكمة.

فبفضل علوم الأحياء,بيولوجيا الأعصاب ,و علم النفس التطبيقي ,توصل "النظام" الي معرفة متقدمة للكائن البشري علي الصعيدين الفيزيائي و النفسي..و أصبح هذا النظام قادرا علي معرفة "الفرد المتوسط" أكثر مما يعرف نفسه!!! و هذا يعني أن النظام-قي أغلب الحالات-يملك سلطة علي الأفراد أكثر من تلك التي يملكونها علي أنفسهم.
- استراتيجية الالهاء "distraction
2- ابتكر المشاكل تم قدم الحلول..
3- استراتيجية التدرج:
4- استراتيجية المؤجل
5-مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار:
6- استثارة العاطفة بدلا عن الفكر:
7- ابقاء الشعب في حالة جهل و حماقة:
8- ) تشجيع الشّعب على استحسان الرّداءة:
(9) تعويض التمرّد بالإحساس بالذنب: 
(10) معرفة الأفراد أكثر ممّا يعرفون أنفسهم:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صناعة الغباء

ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﻐﺒﺎﺀ

ﺑـﻘـﻠــــﻢ :
ﺣﻠﻤﻲ ﺍﻷﺳﻤﺮ
ﻛﻴﻒ ﺗﺘﻢ
ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﻐﺒﺎﺀ؟
ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ
ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻭﺿﻌﻮﺍ
ﺧﻤﺴﺔ ﻗﺮﻭﺩ
ﻓﻲ ﻗﻔﺺ
ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﻓﻲ
ﻭﺳﻂ ﺍﻟﻘﻔﺺ
ﻳﻮﺟﺪ ﺳﻠﻢ
ﻭﻓﻲ ﺃﻋﻠﻰ
ﺍﻟﺴﻠﻢ ﻫﻨﺎﻙ
ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻮﺯ، ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ ﻳﻄﻠﻊ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻘﺮﻭﺩ ﻷﺧﺬ ﺍﻟﻤﻮﺯ ﻳﺮﺵ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺑﺎﻗﻲ
ﺍﻟﻘﺮﻭﺩ ﺑﺎﻟﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﻐﻠﻲ، ﺑﻌﺪ ﻓﺘﺮﺓ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﺃﺻﺒﺢ ﻛﻞ ﻗﺮﺩ ﻳﻄﻠﻊ ﻷﺧﺬ ﺍﻟﻤﻮﺯ ,
ﻳﻘﻮﻡ ﺍﻟﺒﺎﻗﻮﻥ ﺑﻤﻨﻌﻪ ﻭ ﺿﺮﺑﻪ ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳُﺮﺷﻮﻥ ﺑﺎﻟﻤﺎﺀ!
ﺑﻌﺪ ﻣﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻢ ﻳﺠﺮﺅ ﺃﻱ ﻗﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﺻﻌﻮﺩ ﺍﻟﺴﻠﻢ ﻷﺧﺬ ﺍﻟﻤﻮﺯ ﻋﻠﻰ
ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻹﻏﺮﺍﺀﺍﺕ ﺧﻮﻓﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺀ، ﺑﻌﺪﻫﺎ ﻗﺮﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻣﻮﺍ
ﺑﺘﺒﺪﻳﻞ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻘﺮﻭﺩ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ ﻭﻳﻀﻌﻮﺍ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﻗﺮﺩﺍ ﺟﺪﻳﺪﺍ، ﻭﺃﻭﻝ ﺷﻲﺀ ﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻡ
ﺑﻪ ﺍﻟﻘﺮﺩ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﺃﻧﻪ ﻳﺼﻌﺪ ﺍﻟﺴﻠﻢ ﻟﻴﺄﺧﺬ ﺍﻟﻤﻮﺯ، ﻭﻟﻜﻦ ﻓﻮﺭﺍ ﻳﻘﻮﻡ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ
ﺍﻟﺒﺎﻗﻮﻥ ﻟﻀﺮﺑﻪ ﻭﺇﺟﺒﺎﺭﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺰﻭﻝ !
ﺑﻌﺪ ﻋﺪﺓ ﻣﺮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﺏ ﻳﻔﻬﻢ ﺍﻟﻘﺮﺩ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﺑﺄﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻻ ﻳﺼﻌﺪ ﺍﻟﺴﻠﻢ
ﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﺍﻟﺴﺒﺐ !
ﺛﻢ ﻗﺎﻡ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺃﻳﻀﺎ ﺑﺘﺒﺪﻳﻞ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻘﺮﻭﺩ ﺍﻟﻘﺪﺍﻣﻰ ﺑﻘﺮﺩ ﺟﺪﻳﺪ، ﻭﺣﻞ ﺑﻪ ﻣﺎ ﺣﻞ
ﺑﺎﻟﻘﺮﺩ ﺍﻟﺒﺪﻳﻞ ﺍﻷﻭﻝ، ﺣﺘﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺮﺩ ﺍﻟﺒﺪﻳﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﺷﺎﺭﻙ ﺯﻣﻼﺀﻩ ﺑﺎﻟﻀﺮﺏ
ﻭﻫﻮ ﻻ ﻳﺪﺭﻱ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﻀﺮﺏ، ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺣﺘﻰ ﺗﻢ ﺗﺒﺪﻳﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻘﺮﻭﺩ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ
ﺍﻷﻭﺍﺋﻞ ﺑﻘﺮﻭﺩ ﺟﺪﻳﺪﺓ، ﺣﺘﻰ ﺻﺎﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻔﺺ ﺧﻤﺴﺔ ﻗﺮﻭﺩ ﻟﻢ ﻳﺮﺵ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﺎﺀ
ﻣﻐﻠﻲ ﺃﺑﺪﺍ، ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻳﻀﺮﺑﻮﻥ ﺃﻱ ﻗﺮﺩ ﺗﺴﻮﻝ ﻟﻪ ﻧﻔﺴﻪ ﺻﻌﻮﺩ ﺍﻟﺴﻠﻢ ﺑﺪﻭﻥ ﺃﻥ
ﻳﻌﺮﻓﻮﺍ ﻣﺎ ﺍﻟﺴﺒﺐ!
ﻭﻟﻮ ﺳﺄﻟﻨﺎ ﺍﻟﻘﺮﻭﺩ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﻀﺮﺑﻮﻥ ﺍﻟﻘﺮﺩ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﻌﺪ ﺍﻟﺴﻠﻢ؟
ﺃﻛﻴﺪ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ :
ﻻ ﻧﺪﺭﻱ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻭﺟﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺁﺑﺎﺀﻧﺎ!
ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻻ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻖ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﺄﺧﺬﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻮﺭ ﺇﻟﻰ
ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﻭﻛﻴﻒ ﻳﺘﻢ ﺻﻨﺎﻋﺔ ﻏﺒﺎﺋﻬﻢ، ﻭﺧﻮﻓﻬﻢ، ﻭﻛﻴﻒ ﻳﺘﻢ ‏« ﺗﻌﺘﻴﻖ ‏» ﺍﻟﺬﻝ
ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻬﻢ ﻛﻲ ﻳُﻘﺎﺩﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺣﺘﻔﻬﻢ، ﻭﻫﻢ ﻻ ﻳﺪﺭﻭﻥ ﺃﻧﻬﻢ ﻳﻐﺬﻭﻥ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﻟﻪ
ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻭﺍ ﻣﺎ ﺍﻟﺴﺒﺐ!
ﻟﻴﺲ ﻫﺬﺍ ﻓﺤﺴﺒﻦ ﺑﻞ ﺗﻨﺸﺄ ‏«ﺗﻘﺎﻟﻴﺪ ‏» ﻭﻋﺎﺩﺍﺕ ﻟﻼﻣﺘﺜﺎﻝ ﻭﺍﻻﺳﺘﺴﻼﻡ ﻟـ ‏« ﻣﺎ
ﻭﺟﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺁﺑﺎﺅﻧﺎ ‏» ﻭﺗﺘﻮﺍﻟﺪ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻭ ‏» ﺣﻜﻢ«! ﻭﻣﺄﺛﻮﺭﺍﺕ
ﺗﻜﺮﺱ ﺍﻟﺬﻝ، ﻭﺍﻷﻭﻫﺎﻡ، ﻭﻻ ﺃﺩﻝ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﺍﻹﻧﺠﺎﺯ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻘﻘﺘﻪ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ
ﻓﻲ ﻏﺰﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ﺍﻷﺧﻴﺮ، ﺣﻴﺚ ﻳﺮﻓﺾ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺠﻤﻌﻲ ﺇﻳﺎﻩ
ﺍﻟﺘﺼﺪﻳﻖ ﺃﻥ ﺑﻮﺳﻊ ﻓﺌﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﺗﺴﻠﻴﺤﻬﺎ ﻣﺘﻮﺍﺿﻊ، ﺃﻥ ﺗﺠﺪﻉ ﺃﻧﻒ
ﺭﺍﺑﻊ ﺃﻗﻮﻯ ﺟﻴﺶ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺗﻮﺟﻌﻪ ﻓﻌﻼ، ﻭﺗﺴﺒﺐ ﻟﻪ ﺃﺯﻣﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﺗﺪﻓﻊ
ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﻴﻪ ﻭﻣﺨﺘﺒﺮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻓﻴﻪ ﻹﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ،
ﺍﻟﺘﻲ ﺷﻜﻠﺖ ﻋﻘﻴﺪﺗﻪ ﺍﻟﻘﺘﺎﻟﻴﺔ ﻟﻌﻘﻮﺩ ﺧﻠﺖ !
ﺇﻥ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺑﺎﻟﻼﺟﺪﻭﻯ ﻣﻦ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻌﺪﻭ، ﻭﺍﺳﺘﺤﺎﻟﺔ
ﻣﻘﺎﺭﻋﺘﻪ، ﻭﻟﺪﺕ ﺷﻌﻮﺭﺍ ﻋﺎﻣﺎ ﺑﺎﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﺍﻻﻧﺘﺼﺎﺭ ﻋﻠﻴﻪ، ﺃﻭ ﺇﻳﻼﻣﻪ، ﻟﺬﺍ ﺳﺎﺭﻉ
ﻛﺜﻴﺮﻭﻥ ﻣﻦ ﺃﻋﺮﺍﺑﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﻨﻜﺎﺭ ﺗﺴﻤﻴﺔ ﻣﺎ ﺟﺮﻯ ﻓﻲ ﻏﺰﺓ ﺑﺎﻻﻧﺘﺼﺎﺭ،
ﻭﺍﺳﺘﻜﺜﺮﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺜﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻘﺎﺗﻠﻴﻦ ﺃﻥ ﺗﺼﻤﺪ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﻋﺘﻰ ﻗﻮﺓ ﻓﻲ
ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻧﺎﻫﻴﻚ ﻋﻦ ﺍﻻﻋﺘﻘﺎﺩ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻃﻦ ﻓﻲ ﻻﻭﻋﻲ ﻫﺆﻻﺀ ﺃﻥ ﺃﻱ
ﺍﻧﺘﺼﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺳﻴﺠﺮ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﺎ ﻣﺮﻭﻋﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻪ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻛﻮﻥ
ﺇﻟﻰ ﺍﻻﺳﺘﺴﻼﻡ ﻭﺇﻳﺜﺎﺭ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﻤﻨﻘﻮﻋﺔ ﺑﺎﻟﺬﻝ، ﻛﻤﺎ ﺣﺼﻞ ﻣﻊ ﺍﻟﻘﺮﻭﺩ، ﻓﻲ
ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﻐﺒﺎﺀ، ﻭﻗﺪ ﺁﻥ ﻟﻬﺆﻻﺀ ﺃﻥ ﻳﻌﺘﺒﺮﻭﺍ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻓﻴﻔﻴﻘﻮﺍ ﻣﻨﻬﺎ
ﻭﻳﺘﻄﻠﻌﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ

مربع الوعى.. الوطن- الثورة- الشعب- الدولة

مربع الوعى.. الوطن- الثورة- الشعب- الدولة
سيف الدين عبد الفتاح
رباعية الوعي في هذا الوقت تتجدد عناصرها، ويتحدد إدراك كل من مفرداتها ضمن صياغة الوعي الجمعي لعموم الناس وبما يحمله الشباب من شرارة حقيقية وطاقة ثورية يعبر عن كل ذلك بخطاب أو فعل يسهم في صناعة الأمل في سياقات من تفعيل آليات العمل والقيام بصياغة لمستقبل الوطن.
تأتي مفردة الوطن مستدعية “خطة خروج من مأزق هذا الوطن” وقدرته في الحفاظ على ثورته وتحقيق كرامة شعبه؛ هذه الخطة إنما تعبر عن حقائق أساسية فالدول تبنى بشعب واع، ونخب راقية ذات قيم. الدول لا تبنى بانقلابات. المجتمع هو الذي يحمي الدولة ومؤسساتها.

والمؤسسات تبني وتحفظ وتعمل في “وطن”، ولكن ماذا لو ضاع الوطن نفسه؟ فحين نفكر في الوطن، وبمرجعته لا يمكننا إلا أن نخلع عنا جميعا قيد الأيديولوجيا، وأن نتحلى بجامع الوطنية؛ من أجل صناعة توافق جديد، وصياغة “خطة خروج” حقيقية تتعلق بـ”الوطن” و”مصالحه الحيوية الاستراتيجية العليا”، إننا – بذلك – نكشف من يقف مع هذا الوطن ومصالحه، ومن يقف ضد الوطن وضد مصالحه الاستراتيجية العليا مقدما مصالحه الآنية والأنانية.

“خطة الخروج” يجب أن تتحاشى طرقًا من: التدليس، والاستئصال، والفوضى، والفرقة، والانقسام، والاستقطاب…. وتحرك طرقًا من: التعددية، ومساحات السعة السياسية، وقبول الآخر، والتوافق في إطار الحد الأدنى، والتآلف، وإدارة الاختلاف والتعدد، والتشاركية، وأصول الاستهام ، “خطة الخروج” يجب أن تؤصل معاني الحالة الثورية، الناجمة عن ثورة 25 يناير 2011 والجزء الثوري في 30 يونيه ضد الفساد/ الاستبداد، ضد الفشل/ إضاعة الفرص/ الأخطاء القاتلة… تؤصل معاني القدرة على صناعة المسار الصحيح الراشد العادل القادر الفاعل، القابل للتطبيق من استثمار الإمكانية إلى تحقيق أهداف التمكين الوطني.

أما مفردة الثورة فإنها لابد وأن تتحرك صوب استعادة أهداف ثورة 25 يناير والتأكيد على مكتسباتها في إطار يسمح بوضع خط استراتيجية للحفاظ على هذه الثورة في مواجهة الثورة المضادة التي بدت تأخذ مواقعها لتجهز على البقية الباقية من ثورة الشباب بعد عملية تغرير قام بها أصحاب المصالح والتحالفات في محاولة للإبقاء على دولة الفساد العميقة ودولة الاستبداد العقيمة، الحفاظ على الثورة في هذا المقام لابد وأن يعبر عن عمل مستمر يشكل الاصطفاف أول المتطلبات إلي تحفظ للثورة كيانها في مواجهة أعدائها، إنها خطة للخروج للثورة من ورطتها التي باتت تواجه ثورة مضادة اكتملت لها الأدوات وصارت تمكن لنفسها من سدة الحكم ومفاصل المجتمع، ومن هنا فإن استعادة وحماية هذه الثورة لابد وأن يأتي لتمكين الشباب من صدر المشهد للتأكيد على قدرته على مواجهة أعداء الثورة وإرادته في بناء وصياغة مستقبل هذا الوطن المجتمعي والسياسي بما يؤكد أنهم أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة ومستقبلها.

أما المفردة الثالثة فتتعلق بالشعب كحاضنة للثورة تمدها بكل المعاني لتجعل من هذه الثورة كيان مكتمل الأركان يعبر عن آمال هذا الشعب وطاقاته وفاعلياته، لابد وأن نعترف أن هذا الشعب على الرغم من وعيه الفطري قد انفض عن ثورته في الخامس والعشرين من يناير نتيجة أمور كثيرة قامت عن عمد بتزييف وعيه، أو تمرير صناعة إذعانه ولكنه في كل مرة يكيل الصفعات لمن يستخف به، أو بوعيه اتضح ذلك في موقفه من الاستفتاء على الدستور الأخير، ومن مسرحية الانتخابات الرئاسية الهزلية، ومن هنا فإن على القوى الثورية أن تعيد شبكة اتصالها وتواصلها مع هذا الشعب للخروج من هذه الفجوة أو الهوة بين شعب وثورته، لا يكون ذلك إلا بأن تكون للثورة حس شعبي وتواصل جماهيري وقدرة على تبني كل أمر يتعلق بمعاش الشعب ومواجهة تحدياته والتعامل مع قضاياه، لابد أن تجعل الثورة شعار تواصلها مع الجماهير هو “أنا قادر أديك” في مواجهة خطاب سلطة الإنقلاب “أنا مش قادر أديك .. مفيش”، خطاب المعاش والوصول لعموم الناس هي من أهم المؤشرات للخروج من فجوة الهوة بين شعب يشكل الحاضنة الشعبية وبين ثورة يمثلها الكتلة الشبابية.

المفردة الأخيرة فى مربع الوعى “الدولة” ، وقد أخرنا الدولة عن عمد وقصد؛ لأن الدولة التي نريد هي التي تعلي مصلحة (الوطن) العليا، وتؤكد على حقوق هذا (الشعب) الأساسية وتحقق احتياجاته، وضروراته المعيشية. و(الثورة) لابد أن تبلغ أهدافها، وأن تؤكد على مكتسباتها داخل الوطن وبيد الشعب ، وأي “دولة” أو “نظام” أو “حكومة” لا تأتي لتعبر عن أهداف (الثورة) باستراتيجية حقيقية لهذا الوطن، وتؤكد على مطالب هذا الشعب، فإنها غير معترف بها ولا بشرعيتها.

(الدولة) وفق هذا التصور هي: دولة راشدة عادلة فاعلة ، دولة لا تجعل من المواطنة “متاهة” تصنعها أو “مصيدة” تضعها لكل إنسان يعيش على أرض هذا الوطن. الوطن ليس ولن يكون مصيدة، ولكنه وعاء يحتوي الناس فيشعرون معه بالذات الفاعلة، والدولة الراشدة، والعدل الشامل، والأمن العام، والخصب الدائم والأمل الفسيح.

لم يعد وراء الستار شيء اسمه الدولة العميقة ،المراحل الانتقالية كشفت النقاب عن فرق مهمة واجهت دولة الفساد الغميقة من كل طريق، فريق حافظ على الثورة وزخمها وأجبر الدولة العميقة على الظهور للعيان بأوراق التوت التي كانت تستر بها عوراتها، وفريق نزع عنها هذه السترة غير الساترة. لقد كشفتم الدولة الغويطة، وجردتموها من كل تمويه أو خداع أو محاولة للتستر: بقادة عسكرها وعصابات شرطجيتها، وطوابير إعلامها، ومنصات قضائها الشائخ، ورجال أعمالها وتمويلها، وظهائرها الدينية والثقافية والفنية والحزبية المحنطة المنافقة النافقة، إضافة إلى شبكة عمالتها الإقليمية والدولية المنكشفة المتبجحة بلا حياء ولا خوف.

إن من أهم ثمرات عودة الثورات المضادة لمقاعد الحكم والتحكم بشكل مباشر لا مواربة فيه، بعد أن رأت بأعينها الخطر يحدق بمصالحها ومواقعها المحتلة للأوطان، وبعد ان انكشفت كل عوراتها وانفضحت كل سوءاتها.. فلم يعد اليوم ما كنا نسميه بـ (الدولة العميقة)، لم تعد لا عميقة ولا سحيقة ولا غويطة ولا حويطة، ولا مستترة ولا متخفية.. إنها اليوم: الدولة المنكشفة، المنفضحة، الوقحة، أشبه بالطعام المكشوف الذي يقع عليه الذباب القذر؛ ذباب الفسدة والمنافقين والمنتفعين الطفيليين المتغذين على دماء الشعب وعرقه وعمره وشبابه وكرامته وحريته ومستقبله.

المعركة اليوم أصبحت من الوضوح بمكان، والمواجهة أضحت على المكشوف، والمستور صار منظورا مرئيا معاينا ملموسا ،أصبحت دولة الانقلابيين تستعرض عضلاتها ومصالحها الفسادية والإفسادية ومنظومة قمعها واستبدادها هكذا (عيني عينك)، لا خجل ولا وجل، وها هي جوقة المنتفعين تكشف أياديها تطالب بالغنائم وسداد الفواتير هكذا (عيني عينك)، وتكشفت شبكات الفساد والاستبداد والاستئساد على الشعوب والشباب، ولكنها في النهاية ليست إلا شبكات من خيوط العنكبوت (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).

وبرغم كل أحاديث الإحباط ومحاولات تسريبه إلى النفوس بمكر أو غفلة، فإنها فرصة ذهبية لا يصح التفريط فيها ، إن الشباب – من استمر وصمد أمام الطغيان، ومن يكمل ويكشف أعداء الإنسان- لو فرط –لا قدرالله- في هذه الفرصة، فإن هذا الوطن العزيز، ومستقبل هذا الشعب العظيم، والشباب نفسه، سيكون في خطر، وما استمسك هؤلاء الشباب بحبل الثورة واليقين فى النصر، واستأنس بعضهم ببعض، وتكاتفوا – كتفا بكتف – إلا وانتصروا جولة بعد أخرى.

فالأمل قائم، والعمل دائم، والمستقبل قادم، والوطن منتصر،والانقلاب لامحالة منكسر،وحكم العسكر مندثر، ومربع الوعى لدى عموم الناس منتشر.

الإمامة عند الشيع

عموم ولاية الفقيه
د. محمد عمارة
في نظرية الإمامة عند الشيعة، أن للإمام – الذي هو معصوم – كل سلطات الرسول – صلى الله عليه وسلم – التي هي كل سلطات الله – سبحانه وتعالى – .

وفي عصر غيبة الإمام – التي بدأت قبل أكثر من ألف عام – وقفت سلطات الفقهاء الشيعة عند “فقه الفروع” وظلت إقامة الدولة والحكومة وسياسة الأمة – وهي عندهم من العقائد – تنتظر ظهور الإمام الغائب.

لكن الخميني (1320 – 1409 هـ ، 1900 – 1989 م) – في كتابه “الحكومة الإسلامية” – وفي الثورة التي قامها 1979م، وفي الدولة التي أسسها وفي الدستور الذي وضع لهذه الدولة في نوفمبر 1979م، قد جاء بنظرية ولاية عموم الفقيه، فأصبح “للولي الفقيه” كل سلطات الإمام، التي هي كل سلطات الرسول – صلى الله عليه وسلم – التي هي كل سلطات الله – سبحانه وتعالى – سواء في السياسات أو في العقائد، فهو القيم على الأمة مثل القيم على الصغار!.

وعن “عموم ولاية الفقيه” هذه التي مارسها الخميني ويمارسها الآن خامينئ، قال الخميني :”إن الفكر الشيعي يجعل للرسول كل ما لله في سياسة المجتمع وعقيدة أهله، وبعد الرسول أصبح كل ما له للإمام، وبعد غيبة الإمام فإن كل ما للإمام – الذي هو كل ما لله وللرسول – للفقيه، وذلك باستثناء أمرين اثنين:
أولهما: أن للإمام مقاما عند الله لا يبلغه فقيه، بل ولا نبي ولا رسول!.
وثانيهما: أن ولاية الإمام “تكوينية” – في الإيجاد والإعدام – تخضع لها كل ذرات الكون، بينما ولاية الفقيه وقف على السياسات والعقائد.

ولقد نشأ عن هذه النظرية في “عموم ولاية الفقيه” – وخاصة بعد سيادتها وتهميشها للاجتهادات الشيعية الرافضة لها – تحول ولاء الأقليات الشيعية في مختلف الأقطار الإسلامية إلى ولي الفقيه الذي هو الحاكم الفعلي في إيران وتراجعت بذلك روابط الولاءات الوطنية والقومية عند هذه الأقليات الشيعية، على النحو الذي نراه الآن في العراق والبحرين والسعودية واليمن ولبنان وباكستان وأفغانستان وغيرها من البلاد التي بها أقليات شيعية، أي أن “عموم ولاية الفقيه” قد همشت الانتماءات الوطنية والقومية عند هذه الأقليات لحساب الانتماء للمركزية الشيعية الحاكمة في إيران، وذلك بدلا من بقاء الانتماء الوطني دائرة من دوائر التي تستظل بجامعة الإسلام.

لقد أحلت هذه العقيدة الخمينية الدائرة المذهبية الضيقة محل الدائرة الإسلامية، وهمشت الإنتماء الوطني والقومي لحساب هذه الدائرة المذهبية.

ولقد أصبحنا – أمام هذه النظرية الخمينية – بإزاء أمرين خطيرين:
أولهما: البعث المعاصر والتطبيق الفعلي لأسطورة السلطة الكهنوتية الثيوقراطية، التي تفوقت – في الكهانة والثيوقراطية – على الكهانة الكنسية، التي حكمت بالحق الإلهي في أوربا العصور الوسطى، والتي أدخلت أوربا إلى عصورها المظلمة، والتي أفرزت رد الفعل العلماني – بل والمادي – الذي همش المسيحية وليس فقط الكنيسة.

وثانيهما: دفع الأقليات الشيعية في الأقطار الإسلامية إلى حافة الخيانة لأوطانها عندما تتعارض مصالح هذه الأوطان مع سياسات ولي الفقيه الحاكم في إيران.

ولقد تحولت هذه المخاطر إلى واقع مأساوي نراه اليوم في العراق وسوريا والبحرين واليمن ولبنان، عندما تم الفرز الطائفي على أساس المذهب، وشنت الميليشيات الطائفية الحروب على أهل السنة والجماعة تحت شعارات طائفية، مثل “يالثارات الحسين”! معلنة أنها حرب بين أحفاد الحسين وأحفاد “يزيد”!.

تلك هي الكارثة التي بعثها الخميني من مرقدها الأسطوري، بنظريته في “عموم ولاية الفقيه”!.

اختراع الشعب اليهودي

اختراع الشعب اليهودي
الجزيرة نت-خاص

يرى البروفيسور شلومو ساند أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب أن اليهود لم يكونوا في يوم من الأيام قومية واحدة أو شعبا واحدا، كما أنهم لا ينتسبون إلى عرق واحد.
بل يعتقد أيضا أن فكرة الوعد بعودة الأمة اليهودية إلى الأرض الموعودة هي فكرة غريبة تماما على اليهودية، وأنها لم تظهر إلا مع ميلاد الصهيونية في القرن التاسع عشر، حيث تعامل اليهود من قبل مع الأراضي المقدسة كأماكن يتم تعظيمها وليس من الضروري العيش في كنفها تماما مثلما يتعامل المسلمون مع أماكنهم المقدسة.
تشكل هذه الآراء المحور الرئيس لكتاب ساند الذي أثار وما زال يثير الكثير من الجدل منذ صدوره باللغة العبرية عام 2008 تحت عنوان “اختراع الشعب اليهودي”، حيث تصدّر الكتاب قائمة أكثر الكتب مبيعا لمدة تسعة عشر شهرا في “إسرائيل” نفسها رغم مساسه بأهم المحرمات عند اليهود.
كذلك يجادل المؤلف بأن اليهود لم يتعرضوا أبدا للنفي من الأرض المقدسة، ذلك إن معظم يهود العالم اليوم ليس لهم أي ارتباط تاريخي بالأرض المسماة “إسرائيل” مستندا في ذلك إلى أبحاث ودراسات تاريخية وأركيولوجية  آثرية مكثفة.
يضم الكتاب خمسة فصول مع تمهيد، إضافة إلى مقدمة للمؤلف خصّ بها قراء الطبعة العربية التي ترجمها سعيد عياش وراجعها وقدم لها الباحث الفلسطيني أنطوان شلحت.
في القسم الأول من تمهيده يسرد ساند مجموعة من الحكايات عن أشخاص قدّر له الارتباط بهم أو التعرف عليهم عبر مراحل حياته المختلفة، منهم يهود وعرب ومسيحيون مثل والده البولندي الذي عاش حياة قاسية وأصبح شيوعيا في فترة مبكرة من حياته واعتقل إثر ذلك ثم لجأ للاحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية، وتنقل عبر عدة محطات قبل أن تقوم الوكالة اليهودية بتسفيره إلى حيفا عن طريق مدينة مرسيليا الفرنسية في نهاية عام 1948.
وظل يشعر طوال حياته بأنه سرق أرضا يمتلكها غيره، ومثل والد زوجته الكتالوني برناندو الذي حارب في بداية حياته ضد جيش فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية، ثم انتهى به الحال مقاتلا مع الجيش الإسرائيلي في منطقة اللطرون رغم أنه لم يكن يهوديا.
ثم يعرّج على حكايتين لاثنين من أصدقائه العرب نكتشف لاحقا أن أحدهما هو الشاعر المعروف محمود درويش. ويعرض كيف أثرت النكبة واحتلال أرضهما عام 48 على مسار حياتهما.
ثم يختتم سلسلة هذه الحكايا بطالبتين قام بتدريسهما ولم تصبحا يهوديتين معترفا بهما لأنهما ولدتا من أم غير يهودية وأب يهودي، حيث انتهى الحال بالأولى المولودة في فرنسا مناهضةً للاحتلال الإسرائيلي بعد أن كانت أعلنت نفسها يوما ما صهيونية، أما الثانية المولودة في روسيا فهي تعيش اليوم في منطقة الجليل لكنها ما زالت تنتمي للديانة المسيحية مثل والدتها.
من خلال هذه الحكايات يحاول الكاتب التأكيد على الفكرة الرئيسية في كتابه بأن اليهود لم يكونوا عبر التاريخ شعبا واحدا، وبأنهم كانوا متناثرين في الدنيا قبل أن تتمكن الصهيونية من جذبهم نحو مشروعها، ومن ثم احتلالهم لأرض كانت مملوكة ومعمرة من قبل شعب آخر وتسبب هذا الاحتلال بتشرده وشقائه، وكأنه يسأل من جعلنا سكانا أصليين؟
في القسم الثاني من تمهيده، الذي حمل العنوان الفرعي: “ذاكرة تمّ زرعها وتاريخ معاكس”، يعرض ساند خصائص الذاكرة التي زُرعت، على مر السنين لدى كل الإسرائيليين، والتي جعلتهم يتيقنون، من دون أن يساورهم أي شك، بأن الشعب اليهودي قد وُجد منذ نزلت التوراة على النبي موسى في صحراء سيناء، وأنهم متحدرون بصورة مباشرة وحصرية من ذلك الشعب، وأن هذا الشعب قد خرج من مصر واحة أرض إسرائيل التي وُعد بها من الرب وأقام فيها مملكتي داود وسليمان، وبأنه قد عرف فيما بعد النفي في مناسبتين: بعد تدمير الهيكل في القرن السادس قبل الميلاد، وبعد تدمير الهيكل الثاني في العام 70 للميلاد.
ويعتقدون أن هذا الشعب قد عرف التشرد في بلدان عديدة طوال ما يقرب من ألفي سنة، لكنه استطاع المحافظة على صلة الدم بين تجمعاته المتباعدة، بحيث حافظ على وحدته، وذلك إلى أن توفرت له في نهاية القرن التاسع عشر ظروف مناسبة جعلته يستيقظ من كبوته ويستعد للعودة إلى أرض موطنه القديم التي كانت أرضا بكرا وغير مسكونة، وصار عليه أن يحوّلها إلى أرض خصبة ومزهرة .
صناعة الذاكرة اليهودية
ويؤكد ساند أن هذا الواقع لم يتكوّن بصورة تلقائية، وإنما تراكم طبقة فوق طبقة اعتبارا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر من قبل مجددين بارعين، استطاعوا أن يجمعوا نتفا من الذاكرة الدينية، اليهودية والمسيحية، وأن يقيموا فوقها، بفضل مخيلتهم الخصبة، سلسلة نسب متواصلة للشعب اليهودي.
وصارت المتطلبات القومية تكبح بروز أي تناقض أو أي انحراف عن هذه الرواية التاريخية المسيطرة. ويختم ساند تمهيده بالإشارة إلى أنه كان يفضّل أن يضطلع بمهمة تأليف كتابه فريق بحث متعدد التخصصات، لكن ذلك لم يكن ممكنا لأنه لم يجد من يتواطأ معه في إنجاز هذا المشروع. ويؤكد أن كتابة تاريخ يهودي جديد، يخرج عن نطاق الرؤية الصهيونية، ليس أمرا سهلا.
يخوض ساند في الفصل الأول من كتابه تجربة شاقة سعى من خلالها إلى مناقشة عدد من المصطلحات كالأمة والشعب والقومية والهوية وعلاقة ذلك بالدين على المستوى النظري.
ويرى أن كثيرا من هذه المصطلحات يصعب العثور على تعريف محدد لها يتفق عليه الجميع. ويرى أن هذه المصطلحات قد عاشت حراكا دائما للمعاني وتعدد الدلالات التي تعبر عنها عبر مراحل التاريخ المختلفة، فمصطلح شعب على سبيل المثال كان يدل في مرحلة على المجتمعات الزراعية على الفلاحيين الذين لم يكونوا يتقنون القراءة والكتابة وأنه أُطلق في مرحلة لاحقة على مجموعات بشرية ذات هوية فضفاضة قبل أن تكتسب الدلالة المستعملة في زماننا.
في الفصل الثاني يخبرنا ساند عن اكتشافه أن الكتّاب اليهود، وعلى مدار أكثر من ثمانية عشر قرنا لم يكتبوا تاريخا شاملا لماضيهم رغم قدم ديانتهم، ولم يظهر أي تاريخ لدينهم إلا في مطلع القرن الثامن عشر، كما أن بدايات كتابة التاريخ اليهودي في العصر الحديث لا تتسم بخطاب قومي واضح.
فمفهوم “الأمة اليهودية” لم يبرز بصورة صريحة إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك عندما بدؤوا يصوغون تاريخا قوميا باختراع فكرة أن اليهود قد وجدوا كشعب (أمة) وعلى نحو منفصل عن دينهم حيث صدرت في مدينة لايبزغ الألمانية في سنوات الخمسينيات من ذلك القرن المجلدات الأولى للمؤرخ هنريش غريتز تحت عنوان “تاريخ اليهود منذ العصور القديمة وحتى أيامنا هذه”، والذي ترك أثرا مهما على تشكّل الأيديولوجية الصهيونية ولعب دورا كبيرا في صقل الهوية القومية لليهود فيما بعد.
وقد بذل غريتز جهدا كبيرا لاختراع الشعب اليهودي، ولعب مؤلفه دورا كبيرا في بلورة النمط القومي لكتابة تاريخ اليهود، ويستعرض ساند في هذا الفصل كل الدراسات والمؤلفات التي سعت إلى تقديم تاريخ لليهود ويرى أن الرواد الأوائل في هذا المجال لم يقدموا أنفسهم كقوميين يهود بل كانوا يعتبرون أن تقصي الماضي اليهودي وإبراز ايجابياته يعتبر بمثابة وسيلة إضافية لمد الجسور من أجل اندماج طائفتهم اليهودية في المجتمعات الأوروبية التي يعيشون فيها.
أي أنهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم كيهود فقط لأنهم يشتركون في دين بعينه، لكن ومن أجل تقوية الشعور المجرد للوفاء للمجموعة، كانت الأمّة في حاجة، مثل الجماعة الدينية قبلها، إلى طقوس وأعياد واحتفالات وأساطير.
وكي تحدد نفسها وتذوب في كيان صلب واحد، هي في حاجة إلى أنشطة ثقافية عمومية ومستمرة بالإضافة إلى اختراع ذاكرة جماعية موحِّدة وهذا ما أقدم عليه العديد من المؤرخين الإسرائيلين في بداية القرن العشرين.
تفكيك الأساطير الإسرائيلية
في الفصل الثالث وهو الأكثر إمتاعا يبرز الجهد الحقيقي لساند عبر تفكيكه للأساطير الإسرائيلية. فهو يرى أن المنفى شكل إحدى الركائز الأساسية التي ساهمت بشكل فعال في خلق واختراع أسطورة الشعب اليهودي الواحد، وهو ما تتم الإشارة له بالعبرية بعبارة (جلوت).
والمنفى المشار إليه هنا يخص ما تعرض له اليهود في الفترة اللاحقة لخراب الهيكل عام 70 وما تبعه من نفي واقتلاع لجموع المؤمنين اليهود من أورشليم وتشتيتهم في أصقاع الأرض. ويشكل هذا التعريف للمنفى النموذج الأكثر قبولا، والذي أسهم في صياغة الوعي القومي والذاكرة الجماعية الإسرائيلية الحالية.
وفي بحث الكتاب عن حقيقة حصول النفي من الأساس، فإنه وبالاستناد إلى التوثيق الروماني الغني، يصعب على المرء أن يلحظ وجود ولو إشارة بسيطة لحدوث عملية نفي بتلك الضخامة من أرض يهودا. كما أنه يشير لانتفاء الحاجة للنفي أصلا، وذلك من وجهة نظر اقتصادية محضة مفادها حاجة المحتل الروماني أو الآشوري لجموع المزارعين ودافعي الضرائب من اليهود بحيث تغدو عملية نفي بمثل تلك الضخامة بمثابة كارثة اقتصادية محققة لذلك المحتل.
وبالإشارة إلى ما أورده ميلكوفسكي حول مصطلح (جلوت) أو منفى وذلك في الفترة الواقعة بين القرنين الاول والثالث للميلاد، فإن المصطلح المذكور يشير إلى حالة من التهميش والاستبعاد السياسي، وليس كما تم الترويج له من اقتلاع وتشريد من البلاد، وهو بذلك يقطع الصلة بين مفهومي الاستبعاد السياسي الموسوم بالمنفى وعمليات الاقتلاع التي تعرض لها اليهود.
ويبدو أن للمنفى المزعوم أو المخترع جذورا مسيحية تشي بحالة العداء المسيحي اليهودي الكامن، حيث ساهمت الميثولوجيا المسيحية في ترسيخ مفهوم المنفى كشكل من أشكال القصاص الإلهي من اليهود جزاء صلبهم للمسيح ورفضهم دعوته، وهو ما لاقى صدىً عند اليهودي الذي أضحى يعيش في كنف ديانة مسيحية منتصرة.
وبذلك أصبح المنفى بالنسبة لليهودي عبارة عن حالة انتظار لخلاص سوف يأتي بقدوم المسيح الحقيقي. وهو ما أكده التلمود البابلي عبر ما عرف بالنذور الثلاثة التي في مقدمتها رفض أن يكون الصعود لإسرائيل (بالجدار) أي بالهجرة مجددا إلى أورشليم.
وعليه فقد أضحى تعجيل الخلاص أمرا محرما، والذي هو كما المنفى قدر لا فكاك منه، ويحرم التمرد عليه. وقد يفسر هذا التحريم تجنب الجماعات اليهودية المهاجرة النزول في فلسطين إثر تفكك مراكزها الثقافية والحيوية، فبعد خراب بابل توجه اليهود إلى بغداد، وبعد سقوط الأندلس توجهوا إلى دول حوض المتوسط، وبعد المجازر التي ارتكبت بحق مجتمع اليدييش في أوروبا الشرقية هاجر اليهود إلى الغرب، وبالأخص أميركا.
ولم يفدوا لفلسطين الانتدابية -إسرائيل لاحقا- إلا بعد أن أوصدت أمامهم أبواب الهجرة إلى الغرب، ما يقود لاستنتاج مفاده أن اليهود لم يتعرضوا للإجلاء قسرا عن (وطنهم)، كما أنهم لم (يعودوا إليه) بإرادتهم الحرة.
ويشكل اعتناق الديانة اليهودية، والناجم عن حركة التهويد الواسعة التي شهدتها مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، أحد الأسباب المهمة للتواجد المكثف للمؤمنين اليهود قبل خراب الهيكل. وهي الحقيقة التي يميل كثير من المؤرخين القوميين المعاصرين إلى تهميشها والقفز عنها أحيانا.
التبشير اليهودي
وفي رسالة الدكتوراه التي قدمها أوريئيل راببورت عام 1965، والتي لم تجد طريقها للنشر يخلص المؤرخ المذكور إلى “أن تعاظم اليهودية في العالم القديم لا يمكن تفسيره بسطوة النمو الطبيعي للسكان عن طريق الهجرة من أرض الوطن أو من خلال أي تفسير آخر لا يأخذ بالحسبان حركة الالتحاق بها من الخارج”، وهو ما أكدته أيضا إميل شايرر “على أن اليهودية في العصر القديم لم تكن بتاتا منغلقة أو منعزلة، على العكس فقد كان يملؤها الحماس للتهويد بدرجة لا تقل حدة عن المسيحية والإسلام.
إن تاريخ اليهود في كنف روما لم يكن معزولا هو الآخر عن حقيقة كون اليهودية ديانة تبشيرية، وهو ما يستشف من خلال عمليات الطرد المتكرر التي تعرض لها اليهود كنتيجة لنشاطاتهم التبشيرية في صفوف الرومان الوثنيين وميل كثير من الأخيرين إلى اعتناق هذه العقيدة التوحيدية التي هي كسائر العقائد التوحيدية كانت قادرة على تقديم إجابات على كثير من الأسئلة الغائية التي قد تجول في خاطر أي باحث عن الحقيقة وجد في اليهودية مبتغاه.
ربما لم يقدم الكتاب الكثير للقارئ والباحث العربي الذي سبق له أن قرأ كتب الراحل عبد الوهاب المسيري، لكنه كذلك بالتأكيد للقارئ الغربي، وحتى الإسرائيلي، وذلك لأنه فكك كما يرى الروائي اللبناني إلياس خوري الأسطورة الكبرى التي قامت عليها “دولة اسرائيل”، معتبرا أن هذا الأمر لا يعتبر فقط خدمة للشعب الفلسطيني بل خدمة للفكر البشري بأكمله.

ابنِ فكرك مع القرآن

ابنِ فكرك مع القرآن

سفر العبيدالله

القرآن الكريم مصدر المصادر الشرعية وأساس المنهجيات الفكرية والعقلية والعلمية لكل من يؤمن بأنه حقاً كلام الله عز وجل، وقد زعم ويزعم البعض بأن نصوصاً من القرآن تخالف وتضاد العقل، لكن حقيقة يستحيل أن يخالف نص القرآن الكريم عقل الإنسان السليم. فالاختلاف الذي قد يظنه ويتوهمه البعض هو في فهم النص وليس في النص نفسه. ويمكن توضيح منهجية البناء الفكري في القرآن الكريم من وجهة نظري بأنها (حصيلة المعرفة التراكمية لدى الإنسان المسلم من آراء وأفكار وتوجهات والقائمة على أسس سليمة وبأدوات صحيحة والتي تحكم سلوكه وتصرفاته مع مراعاة تقوى الله جل في علاه فيها وإبتغاء مرضاته بناءً على ما ورد في القرآن الكريم). ولأهمية المنهجية الفكرية والتأسيس العقلي السليم بالمسبة للمسلم، نجد أن ظهور العلوم الفكرية والفلسفية لدى المسلمين في العصور الأولى للإسلام سابق على العلوم الرياضية والتجريبية.

ومن الأسس والأدوات في البناء الفكري في القرآن الكريم، يقول تبارك وتعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [العلق:١-٥] ، هذه الآيات العظيمة هي أول الآيات نزولاً على نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام وهو في خلوة التأمل والتفكر في غار حراء. وفي هذه الآيات نجد عدة أسس وأدوات تساعد على تكّون بناءً منهجياً سليماً صحيحاً لدى الإنسان فهي من خالقنا جل في علاه وهو أعلم بما يصلح أحوالنا الدينية والدنيوية. فبدأ سبحانه بأول كلمة نزولاً في القرآن وهي “اقرأ” من حكمة الله جل في علاه أنه عليه الصلاة والسلام أمّي لا يقرأ ولا يكتب، حتى يثبت للناس أنها معجزة ربانية فهذ الكلام العظيم البليغ الفصيح يستحيل أن يخرج من إنسان مهما بلغ من علم وفصاحة فكيف بإنسان أمّي؟!.

لذا نجد أن من أهم وأول الأدوات في البناء الفكري للإنسان هي “القراءة” وتشمل القراءة كل ما هو مفيد ويصلح أحوال الإنسان الدينية والدنيوية ومن أهمها كلام الخالق جل في علاه. ثم ذكر الله سبحانه في الآية الثانية “الإنسان” وكأن فيها رسالة ضمنية بأن من يستفيد من القراءة وما ذكر بعدها من أسس وأدوات مهمة هو الإنسان مُفضلاً بذلك على غيره من سائر المخلوقات. ونجد في آية أخرى تأكيد على أنه سبحانه كرّم الإنسان على باقي المخلوقات كما قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:٧٠] ومع ذلك فإن أساس خلق الإنسان من علق، فينبغي ألا يغتر الإنسان بنفسه وينسى خالقه ونعمته عليه. ثم أكد سبحانه في الآية التي تليها على أهمية “القراءة” والتأكيد عليها مرة أخرى لأهميتها مع تفضله سبحانه علينا بأنه “الأكرم” فإن كان أمرنا بالقراءة أبتداءً لكنه سيعين ويُفهم ويسهل ذلك على الناس وإن كانوا قبل ذلك لا يعرفون القراءة.

ثم يذكر الله سبحانه أداة آخرى مهمة في البناء الفكري للإنسان ومكملة للقراءة ألا وهي “الكتابة” فتثبيت العلم والمعرفة وآراء وأفكار الإنسان ونقلها للآخرين لا تتم إلا بالكتابة، وإن كانت هناك أساليب أخرى حديثة لكن تبقى الكتابة من أهم هذه الأدوات. وفي الآية الأخيرة بعد أن بين لنا الله سبحانه أهمية القراءة والكتابة يذكر لنا أساس مهم من أسس بناء المنهجية الفكرية للإنسان وهو يعتبر أحد النتائج لهما ألا وهو “العلم” ويذكر سبحانه أن جميع العلوم التي يعرفها الإنسان هي من فضل الله عليه فهو الذي علمه إياها وعلم الإنسان ما لم يكن يعلمه ونقله بالفكر الصحيح والعقل السليم من ظُلمة الجهل إلى نور العلم. وقد نستنبط ونستنتج من هذه الآية الكريمة أساس آخر مهم ألا وهي “الفطرة” كما في قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:٢١]. لأن الفكر الصحيح والعقل السليم متوافقان مع الفطرة الإنسانية السليمة.

لكن نجد قبل نزول هذه الآيات الكريمة على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، يتيبن لنا أداة مهمة ذكرت في سيرته عليه الصلاة والسلام عندما كان يتردد على غار حراء ألا وهي “الخلوة”، وأسس أخرى لمنهجية التفكير وحث عليها القرآن الكريم في مواضع عديدة الأ وهي “التأمل” و”التدبر” كما في قوله تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:٨٢] و”التفكر” كما في قوله تعالى {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الروم:٨].

ويذكر لنا الله جل في علاه أساس آخر وهي “الحكمة” النابعة عن الإصابة في الفهم والقول والعمل والفكر الصحيح، ومن يملك الحكمة هم أصحاب العقول السليمة حيث يقول تعالى {يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة:٢٦٩]. ومن أدوات البناء الفكري في القرآن هي “الجدال” والمقصود به هو النقاش البناء الهادف للوصول للحق حيث يقول سبحانه {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:١٢٥].

وأخيراً يقول تبارك وتعالى {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يذكر لنا الله سبحانه أن جميع الأسس والأدوات التي ذكرت والتي لم نذكرها بأنها لا بد أن تكون قائمة على تقوى الله ورضوانه حتى يكون البناء قوياً راسخاً لا يتزعزع، وهذا فيض بسيط من بركات هذ الكتاب العظيم الذي قال تعالى فيه {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:٤٢].