الرئيسية » مقالات » ابنِ فكرك مع القرآن

ابنِ فكرك مع القرآن

ابنِ فكرك مع القرآن

سفر العبيدالله

القرآن الكريم مصدر المصادر الشرعية وأساس المنهجيات الفكرية والعقلية والعلمية لكل من يؤمن بأنه حقاً كلام الله عز وجل، وقد زعم ويزعم البعض بأن نصوصاً من القرآن تخالف وتضاد العقل، لكن حقيقة يستحيل أن يخالف نص القرآن الكريم عقل الإنسان السليم. فالاختلاف الذي قد يظنه ويتوهمه البعض هو في فهم النص وليس في النص نفسه. ويمكن توضيح منهجية البناء الفكري في القرآن الكريم من وجهة نظري بأنها (حصيلة المعرفة التراكمية لدى الإنسان المسلم من آراء وأفكار وتوجهات والقائمة على أسس سليمة وبأدوات صحيحة والتي تحكم سلوكه وتصرفاته مع مراعاة تقوى الله جل في علاه فيها وإبتغاء مرضاته بناءً على ما ورد في القرآن الكريم). ولأهمية المنهجية الفكرية والتأسيس العقلي السليم بالمسبة للمسلم، نجد أن ظهور العلوم الفكرية والفلسفية لدى المسلمين في العصور الأولى للإسلام سابق على العلوم الرياضية والتجريبية.

ومن الأسس والأدوات في البناء الفكري في القرآن الكريم، يقول تبارك وتعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [العلق:١-٥] ، هذه الآيات العظيمة هي أول الآيات نزولاً على نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام وهو في خلوة التأمل والتفكر في غار حراء. وفي هذه الآيات نجد عدة أسس وأدوات تساعد على تكّون بناءً منهجياً سليماً صحيحاً لدى الإنسان فهي من خالقنا جل في علاه وهو أعلم بما يصلح أحوالنا الدينية والدنيوية. فبدأ سبحانه بأول كلمة نزولاً في القرآن وهي “اقرأ” من حكمة الله جل في علاه أنه عليه الصلاة والسلام أمّي لا يقرأ ولا يكتب، حتى يثبت للناس أنها معجزة ربانية فهذ الكلام العظيم البليغ الفصيح يستحيل أن يخرج من إنسان مهما بلغ من علم وفصاحة فكيف بإنسان أمّي؟!.

لذا نجد أن من أهم وأول الأدوات في البناء الفكري للإنسان هي “القراءة” وتشمل القراءة كل ما هو مفيد ويصلح أحوال الإنسان الدينية والدنيوية ومن أهمها كلام الخالق جل في علاه. ثم ذكر الله سبحانه في الآية الثانية “الإنسان” وكأن فيها رسالة ضمنية بأن من يستفيد من القراءة وما ذكر بعدها من أسس وأدوات مهمة هو الإنسان مُفضلاً بذلك على غيره من سائر المخلوقات. ونجد في آية أخرى تأكيد على أنه سبحانه كرّم الإنسان على باقي المخلوقات كما قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:٧٠] ومع ذلك فإن أساس خلق الإنسان من علق، فينبغي ألا يغتر الإنسان بنفسه وينسى خالقه ونعمته عليه. ثم أكد سبحانه في الآية التي تليها على أهمية “القراءة” والتأكيد عليها مرة أخرى لأهميتها مع تفضله سبحانه علينا بأنه “الأكرم” فإن كان أمرنا بالقراءة أبتداءً لكنه سيعين ويُفهم ويسهل ذلك على الناس وإن كانوا قبل ذلك لا يعرفون القراءة.

ثم يذكر الله سبحانه أداة آخرى مهمة في البناء الفكري للإنسان ومكملة للقراءة ألا وهي “الكتابة” فتثبيت العلم والمعرفة وآراء وأفكار الإنسان ونقلها للآخرين لا تتم إلا بالكتابة، وإن كانت هناك أساليب أخرى حديثة لكن تبقى الكتابة من أهم هذه الأدوات. وفي الآية الأخيرة بعد أن بين لنا الله سبحانه أهمية القراءة والكتابة يذكر لنا أساس مهم من أسس بناء المنهجية الفكرية للإنسان وهو يعتبر أحد النتائج لهما ألا وهو “العلم” ويذكر سبحانه أن جميع العلوم التي يعرفها الإنسان هي من فضل الله عليه فهو الذي علمه إياها وعلم الإنسان ما لم يكن يعلمه ونقله بالفكر الصحيح والعقل السليم من ظُلمة الجهل إلى نور العلم. وقد نستنبط ونستنتج من هذه الآية الكريمة أساس آخر مهم ألا وهي “الفطرة” كما في قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:٢١]. لأن الفكر الصحيح والعقل السليم متوافقان مع الفطرة الإنسانية السليمة.

لكن نجد قبل نزول هذه الآيات الكريمة على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، يتيبن لنا أداة مهمة ذكرت في سيرته عليه الصلاة والسلام عندما كان يتردد على غار حراء ألا وهي “الخلوة”، وأسس أخرى لمنهجية التفكير وحث عليها القرآن الكريم في مواضع عديدة الأ وهي “التأمل” و”التدبر” كما في قوله تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:٨٢] و”التفكر” كما في قوله تعالى {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الروم:٨].

ويذكر لنا الله جل في علاه أساس آخر وهي “الحكمة” النابعة عن الإصابة في الفهم والقول والعمل والفكر الصحيح، ومن يملك الحكمة هم أصحاب العقول السليمة حيث يقول تعالى {يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة:٢٦٩]. ومن أدوات البناء الفكري في القرآن هي “الجدال” والمقصود به هو النقاش البناء الهادف للوصول للحق حيث يقول سبحانه {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:١٢٥].

وأخيراً يقول تبارك وتعالى {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يذكر لنا الله سبحانه أن جميع الأسس والأدوات التي ذكرت والتي لم نذكرها بأنها لا بد أن تكون قائمة على تقوى الله ورضوانه حتى يكون البناء قوياً راسخاً لا يتزعزع، وهذا فيض بسيط من بركات هذ الكتاب العظيم الذي قال تعالى فيه {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:٤٢].

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s