الرئيسية » منوعات » أمينة المفتي

أمينة المفتي

أمينة المفتي… الأرستقراطيّة التي أدمنت الخيانة

 

القصة الكاملة اربعة حلقات نقلاً عنالجريدة الكويتية

ولدت أمينة داود المفتي في عمان عام 1939 لأسرة شركسيةمسلمة، هاجرت إلى الأردن منذ سنوات طويلة، والدها تاجر مجوهرات ثري، وعمها لواء فيالبلاط الملكي، أما أمها فكانت سيدة

مثقفة تجيد لغات عدة، وذات علاقات قويةبسيدات المجتمع الراقي. كانت أمينة أصغر أخواتها، تميزت بذكاء غير عادي وطموحاتكبيرة، وكانت على رغم تقاليد أسرتها المحافظة، تسخر من

تقاليد الشرق وقيودهوتحلم بالحب والانطلاق.

عام 1957، التحقت أمينة بجامعة فيينا وأقامت فيالمنزل رقم 56 شارع يوهان شتراوس أسابيع عدة، قبلما يفتح القسم الداخلي أبوابهلإقامة الطالبات المغتربات.
جمعتها الحجرة بطالبة في نهائي الطب تدعى جوليباتريك من جوهانسبرغ، ذات خبرة كبيرة بالحياة الأوروبية. علّمتها جولي التدخينوحذرتها من العلاقات مع الشباب حيث الحمل والإجهاض،

وحببتها بالفتيات لتكونفي مأمن، فشذّت أمينة، وتدريجياً أدمنت الفعل الخبيث حتى الثمالة، فقد رأت فيهانطلاقتها وتحررها من قيود الشرق.

مرت سنوات الدراسة في جامعة فيينا، وحصلتأمينة على بكالوريوس علم النفس الطبي وعادت في أغسطس (آب) 1961 إلى عمان مكرهة، تضجبالمعاندة والنفور، وتحمل في داخلها طبائع

أخرى وأحاسيس مختلفة وآلام الهجرةالى القيود والرقابة.
في غمرة معاناتها وكآبتها، تذكرت حبيبها الأول، الشابالفلسطيني «بسام»، فجابت عمان طولاً وعرضاً بحثاً عنه، وهزتها الحقيقة المرة عندماعلمت بزواجه، حاصرتها الهموم، ولم تجد حلاً

لأزمتها إلا السفر ثانية إلىالنمسا، بدعوى استكمال دراستها العليا لنيل الدكتوره، عازمة على ألا تعود إلى الشرقأبداً.

اعتناق اليهوديّة

كان عمرها حينما عادت مرة أخرى إلى النمساتجاوز الثالثة والعشرين، جذبتها حياة الحرية والإنطلاق في أوروبا، وسلكت مسلكفتياتها في العمل والاعتماد على النفس، غير عابئة بما كان

يرسله لها والدهامن مصروف شهري، فعملت بورشة صغيرة للعب الأطفال، وساقت اليها الصدفة فتاة يهوديةتدعى سارة بيراد، شاركتها العمل والسكن والشذوذ، فالتصقت بها أمينة،وسرعان

ما انخرطت معها في تيار الهيبيز، الذي انتشرت جماعاته في أوروبا فيتلك الحقبة، وعرف في الشرق باسم «الخنافس»، وذات مرة قامت بزيارة لمنزل أسرةصديقتها اليهودية سارة، دق قلبها

فجأة بقوة لم تستطع دفعها، فقد كان موشيه – شقيق سارة الأكبر – شاباً لا يقاوم، ساحر النظرات والكلام، حيوي الشباب، ذا طلعةجذابة.

عرفت أمينة أنه طيار عسكري برتبة نقيب، ويكبرها بنحو سبع سنواتتقريباً، شاعري، مهووس بموتسارت وبيزيه، ولوع بالشعر الأسود ونجلاوات الشرق.
فينزهة معه، عرفت بين أحضانه معنى المتعة الحقيقية، لقد كانت غبية حينما جرت وراءالمتعة مع مثيلاتها، فغرقت معه في الحب، على رغم أنها مسلمة وهو يهودي، وتعددتلقاءاتهما

المحرمة وتحولت أمينة بين يديه إلى امرأة لا تدخر وسعاً فيإسعاده، وتغلبت على ضميرها قدر استطاعتها وهي تدعي لنفسها الحق في أن تعيش، تحيا،تجرب، وتمارس الحب بلا ندم في بلاد لا

تعترف بالعذرية والعفاف.

مرتخمس سنوات في انحلال وتردٍّ، متناسية سبب مغادرتها وطنها إلى فيينا، وبعد جهدساعدها موشيه في الحصول على شهادة دكتوراه مزورة في علم النفس المرضي، وهو فرع منعلم

النفس الطبي، وعادت أدراجها إلى الأردن في سبتمبر (أيلول) 1966ليستقبلها الأهل في حفاوة وفخر، ويطالبونها بإعلان موافقتها على الزواج من ابنعمها، لكنها تطلب منهم إمهالها حتى

تفتتح مستشفاها الخاص فيعمان.

وبينما تسير إجراءات الترخيص للمستشفى بشكلها العادي، وقع خلاف بينهاوبين وكيل الوزارة المختص، فتشكوه إلى وزير الصحة الذي أبدى اهتماماً بشكواها وأمربالتحقيق فيها على وجه

السرعة، فتتشكك اللجنة القانونية في تصديقات الشهادةالعلمية، وتطلب منها تصديقات جديدة من فيينا، وخوفاً من انكشاف التزوير وما يصاحبذلك من فضيحة لها ولأسرتها، سافرت أمينة إلى

النمسا ناقمة على كل شيء فيبلدها، وأسرعت إلى موشيه يعاودها الحنين، غير عابئة بانكسار وطنها العربي بنكسة 1967، فكانت تعلن شماتتها بلا حرج أو خجل، إذ طفحت منها الكراهية لكل

ما هوعربي، وما يمت للعرب بصلة.

في جلسة خلوية تفيض بالمشاعر، فاجأها موشيه بطلبزواجه منها، فلم تتردد، لكنه أكد لها أنه يريده زواجًا رسميًا يتم في المعبداليهودي، فلم ترفض.
في معبد شيمودت، اعتنقت أمينة اليهودية، وتزوجت من موشيهزواجاً محرماً شرعاً، واستبدلت اسمها بالاسم اليهودي الجديد «آني موشيهبيراد».

في إسرائيل

في صيف 1972، قرأت أمينة إعلاناً غريباً في إحدىالصحف، تطلب فيه إسرائيل متطوعين من يهود أوروبا للالتحاق بجيش الدفاع، مقابلمرتبات ومزايا عدة مغرية، تصورت أمينة أنها عثرت

على الحل المثاليلمعاناتها، وأخذت تعد العدة لموشيه لإقناعه بالفكرة، خصوصا أنه سيحصل على جواز سفرإسرائيلي، ومسكن في إسرائيل، وأنها بمرافقته إلى هناك ستودّع الخوف إلىالأبد.

لكن موشيه الذي كان يسعى للعمل في إحدى شركات الطيران المدنية عارضالفكرة ورفضها، بدعوة أن إسرائيل والعرب في حالة حرب لن تهدأ حتى تشتعل، طالما أنهناك أرضاً محتلة وشعوباً

عربية ثائرة، لكن مع إلحاحها المتواصل ليل نهار،تقدم موشيه بأوراق إلى السفارة الإسرائيلية، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1972 كانايطيران بطائرة العال إلى إسرائيل.

حظيت أمينة، التي أصبح اسمها آني موشيه،باستقبال رائع في مطار اللد الإسرائيلي، استقبال تحير له موشيه كثيراً وظن لأولوهلة أن زوجته إما أن تكون شخصية مرموقة ومعروفة في عمان،

أو أنها ممثلةإسرائيلية شهيرة.

بعد أيام قليلة، استُدعيت أمينة إلى إحدى الجهات الأمنية،حيث سئلت مئات الأسئلة عن نشأتها في الأردن، عائلتها، وظائف أقاربها ومعارفها،كيفية تعارفها وموشيه وزواجهما، فأجابت في سرد

طويل. سئلت أيضاً عما تمثلهإسرائيل بوجدانها، وعن مشاعرها تجاه الأردن والفلسطينيين، فأقرت بأنها تكره منظمةالتحرير وكل المنظمات الفلسطينية، وأن الملك حسين أخطأ كثيراً عندمالم

يقتلهم جميعاً في الأردن، فهم يكرهون – على حد تعبيرها – الأقليةالشركسية في الأردن، ضربوا بيوتها وأتلفوا ممتلكاتها، ظناً منهم أن عمها – اللواءبالبلاط الملكي – كان وراء مذابح سبتمبر

(أيلول) 1971، وأحدمرتكبيها.
اعتناق اليهوديّةفي إسرائيل

حادث موشيه

خضع موشيهلتدريبات الاستطلاع الجوي، بعدما تقلد رتبة رائد طيار في سلاح الجو الإسرائيلي. فيآخر يناير (كانون الثاني) 1973 طار بطائرته الـ «سكاي هوك» باتجاه الجبهةالسورية،

فأسقطته مدفعية السوريين في أول طلعة استطلاع له واعتبر مفقوداًمنذ تلك اللحظة، لأن سورية لم تعلن عن أسر الطيار الإسرائيلي كما كان يحدث، لكنهاأعلنت أن الطائرة انفجرت في الجو

وقائدها في داخلها.

لم تصدق أمينةالخبر، ولأيام طويلة ظلت تصرخ صرخات هستيرية لا تتوقف، وفي عيادة «كوبات حوليمهستدروت» للأعصاب في ريشون لتسيون، احتبس صوتها، أو لنقل إن صدمةالفاجعة

ألجمت لسانها فصمتت، وبعد شهر ونصف الشهر تكلمت، ونطقت قائلة بأنهاتشكك في البيان السوري، وبأن موشيه لا يزال حياً، متخفياً بين الحشائش والمغارات،فهو طيار ماهر وقدراته عالية

جداً.

في تصرف جريء، تقدمت أمينة بطلبإلى السلطات المختصة للسماح لها بالسفر إلى بيروت ودمشق لتقصي أخبار زوجها، وما هيإلا أيام قليلة حتى طارت بجواز سفرها الإسرائيلي إلى فيينا،

فالتقت بأسرةموشيه الحزينة، ومكثت بينهم أيامًا عدة حاولت خلالها أن تتنسم عبير الحبيب المفقود،لكنها أحست بأن عبيره أشد كثافة ووقعاً في أطراف العاصمة، وفي الشقة التي شهدتأروع

ذكرياتها، أطلقت شهقات حزنها ولوعتها وحيدة تلثم المقاعد والستائروالوسائد، وتطوف بين حجراتها تنادي موشيه وتتحسس كتبه وأسطواناتهوأحذيته.

بصعوبة شديدة، استطاعت سارة إقناعها بأن تغادر الشقة. حملت أمينةحقائب حزنها وتوجهت إلى المطار، وبجواز سفرها الأردني طارت على أول رحلة إلى بيروتونزلت في أحد الفنادق. في

رحلة تجوالها، تعرفت الى سيدة لبنانية من أصلأردني تدعى خديجة زهران، تمتلك وتدير محلاً للملابس الجاهزة، فاشترت منها ملابسبمبلغ كبير لتتقرب إليها، ودلتها خديجة على شقة صغيرة

في حي عين الرمانة،انطلقت منها للبحث عن زوجها. بعد رحلات عدة بين بيروت ودمشق، فشلت أمينة في الوصولإلى ما يطمئنها، وتأكد لديها أن موشيه قُتل لا محالة، فغادرت بيروت إلىفيينا

تخنقها عبرات الأسى والغربة.

في شباك الجاسوسيّة

فيشقتها في فيينا، أيقظها اتصال هاتفي من تل أبيب، وفي اليوم التالي استقبلت ثلاثةرجال عرفت منهم أنهم ضباط إسرائيليون، مهمتهم إنهاء إجراءات الإرث الخاص بها، مندون إثارة مشاكل

مع أسرة زوجها أو الجهات الرسمية سواء في النمسا، أو فيإسرائيل،.كان ميراثها وحدها مع التعويض يربو على النصف مليون دولار، مع الشقةالأنيقة، وضمانات حماية وأمن فوق العادة،

وكان المطلوب منها أن تتعاون معهملقاء ذلك وتنفذ ما سيُطلب منها بلا تردد، فبمقاييس المخابرات، تعد أمينة كنزاًثميناً لا يقدر بمال، فهي امرأة عربية فقدت وطنها وأهلها، وتعيش في وضع

نفسيسيئ مليء بالخوف، ولا مأوى لها سوى في إسرائيل، وكان لا بد من استغلالهاواستقطابها، بقليل من بث الكراهية في نفسها لهؤلاء العرب الذين قتلوا زوجها وقد كانيمثل لها الأمن

والحماية، وبالضرورة هي بحاجة ماسة إليهما منبعده.

كانت رؤيتهم على صواب، فأمينة التي تحمل الجنسية الأردنية والنمساويةوالإسرائيلية، لم تكن بحاجة إلى كل هذا التخطيط والتمويه لجرّها إلى عش الجاسوسيةوالعمل لصالح الموساد ضد

وطنها وشعبها. إنها غارقة في الضعف، اليأس،والضياع، وبعدما باعت الدين والوطن فهي لا تملك أثمن منهما لتبيعه، لم تعر للشرفانتباهاً، خلعت ثوب الشرق المحتشم وفرّطت في عقيدتها

وعروبتها وعفتها، لذالم يكن من الصعب على الضباط الثلاثة إخضاعها، مستغلين ضعفها الإنساني ووحشتها،عازفين على أوتار كراهيتها للعرب،وللفلسطينيين على وجه الخصوص. لاتقر

الجاسوسية في عرف أجهزة المخابرات بمبدأ الرحمة، ولا تستجيب بأية حاللنداءات الضمير، إنه عالم يفتقد العواطف، ولا وجود للمشاعر تحت سمائه.

هكذاسقطت أمينة في مصيدة الجاسوسية وأسلمت مقودها للضباط الثلاثة، الذين أقاموا لهادورة تدريبية مكثفة استغرقت شهراً وأربعة أيام في شقتها في فيينا، تعلمت أثناءهاأساليب التجسس

المختلفة من تصوير، تشفير، التقاط أخبار، كيفية الالتزامبالحس الأمني، والتمييز بين الأسلحة.

دربوها أيضاً على كيفية تحميض الأفلام،الهرب من المراقبة، واستخدام المسدس، واستقدموا لها من إسرائيل خبيراً في تقويةالذاكرة وتخزين المعلومات والأرقام من دون نسيانها. كانوا يعرضون

عليهامشهداً من فيلم سينمائي، ويطلبون منها الإجابة عن أمور دقيقة فيه مثل: كم طبق كانعلى المائدة؟ ما لون ستائر الشباك؟ كم لمبة في النجفة؟ كم عدد درجات السلم؟ أجادتآني موشيه

دورتها الأولى في التجسس وأصبحت أكثر إصراراً على الانتقاموالتحدي، وعمل المستحيل للثأر لزوجها الذي فُقد بالقرب من الجولان والجنوباللبناني، إنها تريد تأكيد حبها لموشيه، من خلال

حبها للعمل مع إسرائيل ضدالعرب.

غادرت أمينة فيينا إلى بيروت هذه المرة، لا للبحث عن زوجها، وإنماللانتقام له، مهمتها المحددة تقصّي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية ورجال المقاومةالذين يؤرقون أمن إسرائيل ويحيلون

ليلها إلى نهار لشدة القصف والتفجيراتالفدائية،
كانت أيضاً مكلّفة بالتحري عن مراكز إقامة قادة المقاومة والطرق التييسلكها الفدائيون للتسلل إلى الأرض المحتلة والتغلغل داخلهم لمعرفة أعدادالفدائيين، تدريبهم، تسليحهم ومدى مهارتهم في

التخفي والمناورة، ومخازنالأسلحة والإعاشة.

مصيدة الجسد

في بيروت، استأجرت أمينة أو «آنيموشيه» شقة في إحدى بنايات الروشة، أجمل مناطق بيروت، ومن شرفة شقتها كان أمامهاالبحر اللانهائي، وعلى بعد خطوات منها يقع مقهى الدولشي فيتا

أشهر مقاهيبيروت، حيث المكان المفضّل للفنانين والمثقفين والجواسيس والسياح. كان الأمر الوحيدالذي يضايقها، انقطاع الحرارة عن الهاتف، فقصدت صديقتها الأردنية خديجة زهران،وطلبت

منها المساعدة. اتصلت خديجة في الحال بمانويل عساف موظف التلفونات،الذي ذهب بنفسه إلى أمينة في اليوم التالي، ليؤكد لها أن المنطقة تعاني من بعضالأعطال بسبب تجديدات في الشبكة،

ووعدها بأنه سيسعى في القريب للتوصل إلىحل. منحته أمينة خمسين ليرة ليهتم بالأمر، ولكي لا ينسى منحته جسدها أيضاً، إذ وجدتفيه صيداً سهلاً تستطيع من خلاله التوصل لهواتف

وعناوين القادة الفلسطينيين،فهي باعت سابقا الدين والوطن والأهل، فلم تجد غضاضة في بيع نفسها لمانويل، الذي خرمستسلماً أمام امرأة جميلة تفوح من جسدها رائحة الأنوثة والرغبة، لقد

شلتإرادته وأذهبت عقله وحاصرته، فلم يعد يملك حيلة للفرار. أقبل عليها في شراهة ونهم،باعتقاده أنه ظفر بأنثى جميلة، بينما تصرفت هي كجاسوسة محترفة، بدت بين أحضانه فيأقصى

حالات الضعف، لكنها كانت أبعد ما تكون عن الإحساس بالمتعة، وهكذا تفعلالنساء في عالم المخابرات والجاسوسية، فالجنس عندهن وسيلة فحسب لاهدف.

صُدمت أمينة بشدة عندما تبين لها أن مانويل لا يملك ما تريده، فهو مجردفني صغير لا يملك قراراً، فلم يتملكها الإحساس بالندم أو الحسرة، بل أقنعت نفسهابأنها فشلت في تجربة أولى، وحتماً

ستنجح في مرات مقبلة. حاول مانويل عسافالوفاء بوعده لتتوطد علاقته بالمرأة النارية، فلم يستطع لأن رئيسه في العمل – مارونالحايك – بيده كل شيء ، لذلك صارحه بما حدث، واصطحبه

إلى شقة أمينة. كانالحايك متعدد العلاقات النسائية، يسعى خلف نزواته ومغامراته، منشغل بالتجسس علىالمحادثات الهاتفية بين نساء المدينة، تستهويه لعبة المطاردة والبحث عن صيدجديد،

وبغريزة الأنثى التي لا تخيب، أيقنت أمينة ما بنفسه، واثقة من كنزمعلوماته عن الزعماء الفلسطينيين في بيروت، لذلك تركت جسدها له ينهشi وأحاطت عقلهبسياج من غباء، فكان يجيب عن

كل أسئلتها، وأطلعها – بعد لقاءات عدة – علىالتلفونات السرية للمنظمات الفلسطينية، وزعماء الجبهات وعناوين إقامتهم في حيالريحانة الشهير. بواسطة صندوق بريد ميت، صبت أمينة كل ما

تفوه به الحايك فيخطاب من صفحات عدة، تسلمه عملاء الموساد في بيروت، لتجيئها الأوامر بعد ذلك بالتحركمن دون انتظار، فالمطلوب منها هو الحصول على القوائم السرية لرجال

المخابراتالفلسطينية في أوروبا وصفاتهم، ولن يتاح لها ذلك إلا من خلال مكتب ياسر عرفاتشخصياً، أو مكتب رئيس جهاز المخابرات علي حسن سلامة المطارد في كل مكان في العالم،والذي

أطلقت عليه غولدا مائير لقب «الأمير الأحمر»، لأنه بطل عملية ميونيخالتي قتل فيها أحد عشر إسرائيلياً.

علي حسن سلامة

كانت الحياة فيبيروت آنذاك يونيو (حزيران) 1973) لها مذاق رائع، ومع عطلة نهاية الأسبوع تزهو أجملفتيات لبنان داخل الفنادق والأندية، وحمامات السباحة، يلعبن الغولفوالتنس،

ويرقصن الديسكو، ويشاركن في مسابقات الجمال.

وسط هذا الجوالذى يموج بالمرح والحسن والشباب، اعتاد علي حسن سلامة أن يعيش بعض أوقاته، يرافقهأحياناً فتحي عرفات، شقيق ياسر عرفات، رئيس جمعية الهلال الأحمرالفلسطيني.

عندما اختيرت جورجينا رزق ملكة جمال الكون، اختطفها سلامة وتزوجافي حدث كان له صدى كبير، مما جعله مطاردا دائماً من فتيات لبنان، لكنه كان مشبعاًبكل جمال الدنيا بين يديه، ولأن

المخابرات الإسرائيلية كانت تجهل صورته أوملامحه، وفشلت كثيراً في اقتفاء أثره لاغتياله، خصوصا بعد عملية ميونيخ بالذات، فقدكان المطلوب من أمينة التسلل إلى مخبئه والحصول على

قوائم بأسماء قياداتوعملاء المخابرات الفلسطينية في أوروبا. كان سلامة أحد مساعدي عرفات والمختصبحراسته، ثم أوكل إليه الاخير بمهمة جديدة، وهي رئيس الأمن والمخابراتالتابعة

لمنظمة فتح وقوات الحرس الداخلي – التي يطلق عليها القوة 17 – وهيالقوة التي أطلق عليها عرفات اسم «المنتمين إلى قيصر روما القديمة»، والحصول علىالقوائم السرية للقيادات

الفلسطينية والأعضاء البارزين في المنظمات فيأوروبا، أمر مهم جداً ومطلوب لتفكيك أوصال القيادة في بيروت وعزلها عن الآخرين فيكل قارات العالم، وفي هذا إجابة عن سؤال: لماذا السطو

على أوراقه بدلاً مناغتياله؟

هكذا كانت مهمة أمينة في بيروت، مهمة حساسة للغاية، لو استطاعتالقيام بها فكل ميادين إسرائيل لا تكفي لوضع تماثيل لها فيها، وفي لقاء حميم بشقتهامع الحايك، سألته عن عرفات وأبو

إياد وغيرهما، فأجاب بأنه يعرفهم جيداً،ولأيام طويلة ظلت تمنحه جسدها، وتنفق عليه بسخاء عندما أكد لها أنه يعرف سلامة، بلوالفندق الذي يرتاده، فاصطحبته مراراً لفندق كورال بيتش ليدلّها

عليه، لكنالأيام تمر والحايك يستمتع بجسدها وبأموالها من دون أن يظهر لسلامةأثر.

تملّكها يأس قاتم لفشلها، وفكرت كثيراً في مغادرة بيروت إلى تل أبيبتجر أذيال الخيبة، لكن طرأت في خيالها فكرة جديدة عملت على تنفيذها بأسرع وقت، إذانتقلت إلى شقة أخرى في كورنيش

المزرعة، وهي منطقة شعبية يرتادها التجار منقاطني المخيمات الفلسطينية في بيروت. للوهلة الأولى أحست بتفاؤل كبير، بعدما تعرفتالى ممرضة فلسطينية تدعى شميسة، تعمل في عيادة

«صامد» بمخيم صبرا. قدمتهاشميسة إلى مدير العيادة، الذي أوضح لها أن أطباء كثرا من كل دول العالم، يشاركون فيعلاج الفلسطينيين كمتطوعين، فعرضت عليه أمينة خدماتها التطوعية

وأطلعته علىشهاداتها المزورة فطلب منها الانتظار لأيام عدة حتى يخبر رؤساءه. جاءتها أخيراالفرصة الذهبية للامتزاج بالفلسطينيين، وبدأت مرحلة العمل التجسسيالأوسع.

(يتبع) …

صائدة الخونة (2ـ 4)
أمينة المفتي.. استخدمت المصحف الشريف ليكون شيفرتها الخفيّة
القاهرة – صلاح الإمام

مساء 22 يوليو (تموز) 1973، رن الهاتف في شقة أمينة المفتي، وكان على الطرف الآخر مارونالحايك، الذي أسر إليها ببضع كلمات ألجمتها، فوضعت السماعة بتوتّر وأسرعتتفتح

التلفزيون، لقد صدمها المذيع وهو يعلن نبأ اعتقال ستة من رجال الموسادفي أوسلو، بينهم امرأة، بتهمة قتل «غرسون» مغربي بالرصاص، ظنوا أنه الفلسطيني عليحسن سلامة، وقد اعترف

المعتقلون بأنهم ينتمون إلى الموساد، ويشكلون فيمابينهم فريقاً للقتل اسمه الرمح، وجاؤوا خصيصاً من إسرائيل لتعقّب سلامة واغتياله. ارتجّت أمينة وتملّكها الهلع على مصيرها، وتساءلت:

لماذا يتعقبون سلامةلاغتياله بينما طلبوا منها خلاف ذلك؟

كانت اللعبة أكبر بكثير من تفكيرها،فأمور السياسة والمخابرات تتشكل وفقاً لمعايير أخرى وحسابات معقدة، وللمرة الأولىمنذ فقدت زوجها موشيه، تشعر برغبة أكيدة في الاستمتاع بالحياة،

فأسرعت فياليوم التالي، برفقة الحايك إلى فندق الكورال بيتش، متلهفة إلى الالتقاء بسلامة. أخذتها المفاجأة عندما أشار الحايك ناحية حوض السباحة قائلاً لها: أنظري.. هذا عليحسن سلامة.

في ذلك الوقت، كان سلامة في 33 من عمره، رياضي.. وسيم.. أنيق،يصادق جورجينا رزق ملكة جمال الكون، وهي فتاة عمرها 21 عاماً، تنحدر من مؤسسة المالالمسيحية في بيروت لأب

لبناني وأم مجرية، انتخبت في السادسة عشرة من عمرهاملكة جمال لبنان، وبعدها بعامين ملكة جمال العالم، وكانت الوحيدة من بلاد العربالتي دخلت مسابقة «ميامي بيتش»، وهكذا أصبحت

رزق أشهر امرأة في العالم، يحلمبها كل الرجال، وكان الجميع يريد التعرف الى الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل،والعينين الخضراوين، والجسد الأسطوري. حتى جيمي كارتر- حاكم ولاية

جورجيناوقبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة تحققت أمنيته وظهرت صورة له مع ملكة جمالالكون وهي ترتدي فستان السهرة الأسود. انشغلت رزق بالفتى الوسيم مفتول العضلات ذيالجسد

الرياضي الممشوق، وانشغل بها هو أيضا.

جلست أمينة تراقب سلامةبحذر وهو يستحم، وعلى مقربة منه وقف رجلان من حراسه تنتفخ أجنابهما بالسلاح. رسمتصورته في خيالها، وداومت على زيارة الكورال بيتش مرتين أسبوعياً

بشكل منتظم،وكانت كثيراً ما تلتقي بسلامة الذي اعتاد رؤيتها، وابتسامتها وجمالها البسيطالهادئ، وذات مرة وصل إلى الفندق واتجه إلى الداخل حيث حجرته، لكنه عرّج فجأة علىمائدة أمينة

وانحنى على ظهر المقعد المواجه في أدب وسألها أسئلة عدة، ثم سحبالمقعد وجلس قبالتها لأكثر من نصف الساعة.

بواسطة سلامة، انفتحت أمام أمينةكل الأبواب الموصدة، إذ أصبحت محل ثقة الفلسطينيين، طالت علاقاتها بالقادة ياسرعرفات نفسه، فاستعادت حيويتها وثقتها بنفسها وانخرطت في صفوف

المقاومة تضمدالجروح وتبث فيهم الحماسة والاستماتة في الكفاح. كانت زياراتها المتعددة لمخيماتاللاجئين في الجنوب، بصحبة مجموعات طبية من المتطوعين، تذكرة أمان لدخول كلالمناطق

المحظورة، فكانت عيناها كاميرات تلتقط الصور وتختزنها، وأذناهاأجهزة تسجيل متطورة، انقلب عقلها إلى آلة جبارة من القوة بحيث لا يرهقها تزاحمالمعلومات، أو رسم الخرائط بدقة متناهية،

أو حفظ مئات الأسماء والمواقع، أوتذكّر أنواع الأسلحة وأساليب التدريب. لم تدخر جهداً في البحث عن كل ما يهمالإسرائيليين في لبنان. زارت ياسر عرفات في مكتبه ثلاث مرات لتطلعهبنفسها

على سلبيات عدة واجهتها في الجنوب اللبناني، واهتم الزعيم بمقترحاتهاوأفرد لها مساحة طويلة من الوقت للاستماع إليها. أوصى في الحال بالتحقيق مما قالته،وتلافي الأخطاء التي تعوق

حركة المقاومة في الجنوب، فتقربت أمينة بذلك منالزعيم الفلسطيني وأصبح مكتبه مفتوحاً دائماً أمامها.

لقاء مع جاسوسالميج
حدث أن كانت في مقهى «الدولشي فيتا»، حيث شاطئ الروشة المتعرّج الخيالي،حينما توقفت فجأة أمامه سيارة جيب عسكرية، ونزل منها ثلاثة رجال فلسطينيين، اتجهوامسرعين إلى حيث

تجلس تشرب أمينة القهوة، واصطحبوها إلى مخيم شاتيلا للمساعدةفي علاج مصابي إحدى الغارات الإسرائيلية.

بعد أن أنهت عملها في مستشفى مخيمشاتيلا، استأذنت للسفر إلى فيينا لتسجيل اسمها لدى إحدى جمعيات الطفولة الدولية (!!)، وهناك تخلت أمينة عن أهم قواعد العمل التجسسي، وهي السرية

المطلقة،وتفاخرت أمامهم جميعاً بأنها تثأر لموشيه كل يوم من القتلة العرب وتنتقم منهم دونمارحمة أو شفقة، وقصّت عليهم الكثير من أسرار عملياتها في بيروت، وبجواز سفرهاالإسرائيلي،

طارت أمينة إلى تل أبيب تحمل جرعة هائلة من الغضب.

لميكن لها أصدقاء في إسرائيل، سوى نفر قليل من رجال الموساد، الذين فوجئوا بها وقدبدا عليها الإرهاق، طلبوا منها أن تستريح في شقتها حتى تهدأ. صاحبتها طبيبة نفسيةيهودية من أصل

عراقي تدعى زهيرة، كانت مهمة الاخيرة ألا تفاتحها في أمرإنهاء خدمتها، فهي ليست منوطة بذلك، ولكن تنحصر في إذابة جدران العزلة النفسية التيتحيط بالعميلة، بدمجها تدريجياً باليهود

العرب وخلق محيط اجتماعي موسّع منحولها، لقد حدثتها صديقتها الجديدة عن المهاجرين العرب من اليهود، الذين قدموا منشتى الأقطار المجاورة، وكيف استساغوا العيش في المجتمع الجديد

المتحرر، وعنبعض المسيحيين الذين فروا إلى إسرائيل طلباً للحرية والأمن. من بين الذين ذكرتهم،النقيب الطيار منير رضا المسيحي العراقي الذي فر الى إسرائيل بطائرته الحربية الميجـ 21،

وعرضنا لقصته في الحلقتين الثانية والثالثة من هذه السلسلة، وعندماأبدت أمينة رغبتها في لقائه، عرضت زهيرة الأمر على رؤسائها فجاءتها الموافقة،ورتِّب اللقاء في منزل منير بين زوجته

وأولاده.

كانت أمينة في شوقبالغ للقاء الطيار الهارب، ليس لأنه عربي بل لتسأله عما يجول في خاطرها من تساؤلاتقد تفيدها معرفة إجاباتها، وبابتسامة عريضة على باب منزلهما، رحبمنير

وزوجته بأمينة. كان منير في ذلك الوقت في الثامنة والثلاثين من عمره،غزته مقدمات الصلع، وكانت مظاهر الثراء بادية جداً على المنزل وأهله، قال لها منيرإنه مر بحياة عصيبة في البداية،

حيث كان يجهل العبرية وبلا عمل ولا أصدقاء،ويتابعه كظله رجلا أمن في الشارع والبيت، ثم عمل لبعض الوقت في جيش الدفاع، والآنيمتلك وكالة إعلانية كبيرة خاصة به اسمها الأضواء،

وتعمل معه زوجته كمديرةلمكتبه وللعلاقات العامة، سألته أمينة: كيف يفشل طيار محترف في القفز إذا أصيبتطائرته في الجو؟ وهل طائرة سكاي هوك الأميركية تتحول إلى مقبرة لقائدهاقبلما

تسقط؟ أفاض منير في الشروح وأوضح لها أن طائرة سكاي هوك التي طار بهاموشيه اعتُمد تصميمها على حماية الطيار، وهي مزودة بكرسي قذف مزدوج، ويمكن إطلاقهمن ارتفاع الصفر

وبسرعة الصفر أيضاً، وهو كرسي قاذف من طراز دو غلاس أسكاباك A -C3 وكابينة القيادة فيها مدرعة في المقدمة والمؤخرة والجانب الأيسر، وسمكالتدريع حوالي 18 مم، وأكد لها أن

زوجها موشيه إما أصيبت طائرته بصاروخ «سام 6»، وفي تلك الحالة ربما يكون أسيراً لدى السوريين، أو أن صاروخاً من طراز atoll جو / جو، أصاب به السوريون كابينة قيادته الفقاعية

فانفجرت به الطائرةجوًا.

كانت إجابة منير لا تختلف عن الإجابة التي سمعتها من قبل، فلم يعطهاإجابة قطعية تؤكد أو تنفي موت موشيه، وبقي السؤال كما هو: هل موشيه بيراد لا يزالحياً في قبضة السوريين؟ أم

انفجرت به الطائرة في الجو؟ وفي الحالة الأخيرةلا بد من أن يعثر السوريون على بعض من أشلائه، ومن ثم يعلنون الخبر، وهو ما لميحدث.

إصرار على الخيانة

في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 غادرت أمينةتل أبيب إلى فيينا، حيث تسلم منها عميل الموساد جواز سفرها الإسرائيلي، وسلمهاالجواز الأردني مع تذكرة سفر إلى بيروت فجر اليوم التالي.

انطلقت بشوق للعملكي تثأر لزوجها، تحمل بين أمتعتها جهاز راديو يحمل ماركة عالمية معروفة، وهو فيحقيقته جهاز لاسلكي أكثر تطوراً ولا يمكن اكتشافه، وبحقيبة يدها كانتتحتفظ

بالمصحف الشريف، وقد نزعت صفحات عدة منه واستبدلتها بصفحات أخرى تحملالشفرة (!!!)

في الساعات الأولى من صباح 6 أكتوبر(تشرين الأول) 1973، أطلقتأمينة أولى إشارات البث اللاسلكي إلى تل أبيب: (آر. كيو. آر. وصلت بسلام..الأميرالأحمر في أوروبا.. تعرفت بضابط

فلسطيني يدعى أبو ناصر.. وعدني مارون بأنيأخذني معه إلى مبنى الهاتف المركزي.. غادر جورج حبش إلى تونس سراً.. رجاله يقاتلونسبعة من رجال حواتمة.. أبو عمار بالبيت مصاباً

بالبرد.. شحنة أدوية وصلتسراً من رومانيا للقيادة.. يوجد نقص كبير في الأنتي بيوتكس. تحياتي).

استقبلالموساد رسالة أمينة بشيء من الاطمئنان والفرح، فالرسالة كانت واضحة الشفرة بلاأخطاء، والأخبار التي حوتها مهمة جداً استدعت دخولها إلى غرفة التحليل والمتابعةعلى الفور،

وسرعان ما تسلمت أمينة أول رسالة بثت إليها من إسرائيل: (تهانينابالوصول.. اهتمي بتحركات الأمير.. أبو ناصر خبيث جداً فاحذريه.. لا تهتمي بمارونالآن.. من يطبب أبو عمار.. ماذا في

بطن الباخرة كيفين في صيدا.. نريدمعلومات عن مخازن الأسلحة في مخيم البداوي في طرابلس ومراكز التدريب الجديدة فيقلعة شقيف).

بينما كانت العميلة تهيىء نفسها لمستقبل أجمل وأيام حافلةبالعمل والخيانة، فوجئت بأخبار عبور المصريين لقناة السويس واجتيازهم خط بارليف،فكانت صدمتها لا توصف.

نشطت أمينة في عملها التطوعي كطبيبة عربية تجوب أنحاءلبنان، وجاسوسة إسرائيلية تمد الموساد بالمعلومات الحيوية عن تحركات الفدائيين فيالجنوب، الذين شحنتهم انتصارات الجيوش

العربية فازدادوا استبسالاً وضراوة،وعاد علي حسن سلامة من أوروبا لترتيب خطط العمليات الجديدة، فالعدو فقد اتزانهوالسيطرة على نفسه، والضربات القوية تترك آثارها بوضوح في وجهه

المشوه. هكذاانطلق رجال المقاومة في الجنوب اللبناني يضربون في العمق الإسرائيلي بلا كلل،واستدعى ذلك من أمينة أن تترك بيروت إلى صور، ومعها جهاز اللاسلكي الخطير، حيثعكفت

على بث رسائلها يومياً، والتي وصلت في أحيان كثيرة إلى خمس رسائلمعرِّضة حياتها للخطر، واضطر الموساد أمام سيل رسائلها إلى فتح جهاز الاستقبال علىالتردد المتفق عليه، لساعات

طويلة على مدار اليوم.

اليدالخائنة

على مدى أيام المعارك خلال حرب أكتوبر، كانت أمينة تتحرك فتسعفالجرحى بيد، وتبث رسائلها الخائنة باليد الأخرى، وكانت أول جاسوس للموساد يعملبجرأة أسطورية داخل بلد عربي، لم

يفعلها إيلي كوهين الذي زُرع في سوريةقبلها بسنوات قليلة، وكان مرشحاً لمنصب نائب رئيس الجمهورية السورية، وعلى رغمتجواله بين شتى الوحدات العسكرية والقواعد السرية في

الجولان، وإقامتهالمطولة في منطقة الجبهة، بل وعلى رغم حجم الثقة في نفسه، لم يحمل أبداً جهازاللاسلكي خارج المنزل.

انتهت حرب أكتوبر، لكن العمليات الفدائية الفلسطينيةلم تنته، وازدادت شراسة واتسعت مساحتها لتشمل دولا أوروبية وآسيوية. كانت الضغوطشديدة جداً على أمينة خلال تلك الفترة، فالعمليات

أربكت إسرائيل وزعزعتأمنها تماماً، وانتقل الضغط العصبي إلى أمينة في بيروت، فالأوامر كثيرة والمطلوبمنها كثير ويفوق الوصف، لذلك اضطرت للانتقال تماماً إلى الجنوباللبناني،

واستأجرت شقة في منطقة الشجرة في صور – على مسافة عشرين كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية – اتخذت منها مركز انطلاق لاستكشاف تحركاتالفلسطينيين، واتصلت بأبو ناصر الضابط

الفلسطيني الذي سبق أن حذرها الموسادمنه في أولى رسائل البث اللاسلكية، واستخدمت معه أسلوب الإثارة والاستفزاز، وهوأسلوب يدفع المرء الى إخراج ما عنده من دون أن يطلب منه ذلك،

واستطاعت أنتدفعه دفعاً الى الإفصاح عن عملية فدائية ستتم في اليوم التالي داخل الأراضيالإسرائيلية، تصنعت الفرح وهللت: كيف؟.. إنكم لشجعان حقاً عندما تنقلون عملياتكمإلى قلب الدولة

اليهودية، لكن في ذلك خطراً جسيماً على رجالكم، أجابهامزهواً بأن كل شيء معد، وخطِّط لكل احتمالات الطقس بدقة متناهية. حاولت أن تعرفمكان الهجوم وكيفية التسلل، لكن الضابط

الفلسطيني الحذر لم يتفوه بأكثر منذلك.

ظلت أمينة تطارد أبو ناصر مستخدمة أسلوبها في الإثارة إلى أن نجحت فيدعوته لقضاء سهرة في بيتها، فهيأت له نفسها، حتى إذا ما تمكنت منه انطلق لسانهمتباهياً بعبقريته العسكرية، وكيف

أنه جهز فريقاً من أكفأ رجال الكوماندوزللتسلل إلى داخل الحدود الإسرائيلية، لضرب مدينة نهاريا الساحلية بالصواريخ، التقطتأمينة الخبر من دون تعليق، وكل ما فكرت فيه لحظتها هو كيف

تحتويه أكثر وأكثرفيزداد انطلاقاً وتتبعثر منه الأسرار كالشلال، ولم يكن أمامها إلا أن تمثل دورالعشيقة القلقة، واستحضار نبرة الدفء المصطنعة والمشوبة بالخوف، لكنه على رغم غرقهفي

بحر المتعة معها لم تنفك عقد انطلاقه كلها فيعلن عن عملياته المرتقبةبالتفصيل، هكذا تعلم أبو ناصر وتدرب في المخابرات العسكرية، وأجاد الاحتماء بالحسالأمني العالي حتى في أقصى حالات

ضعفه الإنساني.

في مبنى الموسادكانت الوجوه مرهقة متوترة، فالعمليات الفدائية اشتدت وطأتها والمعلومات المتاحةبعيدة عن التفاصيل، ومنذ صدرت الأوامر لأمينة باستدراج أبو ناصر بحرص، كانترسائلها

تجيء مشوهة، كأنما يتعمد الضابط الفلسطيني ذلك، وهو ما يعني أنالعميلة وقعت في بؤرة الشك، أو أنها انكشفت فعلاً، فخبر التسلل الأخير عبر البحركان حقيقياً من حيث التوقيت لا المكان،

أما خبر عملية تل أبيب فكان أكثرشكاً وغموضاً، فصدرت الأوامر لأمينة بمغادرة صور إلى بيروت فوراً، والتوقف نهائياًعن جلب المعلومات أو بث الرسائل، لكن العميلة الغاضبة العنيدة بثت

رسالةإليهم قلبت الموازين كلها، وأذهبت بعقول الكبار قبل الصغار في الموساد. أرسلت لهمعن تسلل سبعة فدائيين في غبش الفجر، يحملون أسلحة

الـ آر.بي.جيه، ومدافعالكلاشينكوف القاذفة، وقنابل ومتفجرات، بقصد تفجير مستعمرة جيشر هازيف (على بعد ستةكيلومترات شمالي نهاريا) بمناسبة عيد إسرائيل القومي، فانطلقت قواتالأمن

تطوّق المستعمرة، وانتشرت نقاط التفتيش على كل الطرق، ومع أولى تباشير 15 مايو (أيار) 1974، كانت المعركة الشرسة بدأت، لكن في منطقة أخرى أبعد عن تصوّرهموتوقّعهم. بعد ست

ساعات ونصف الساعة، أسفرت المعركة عن إصابة 117 إسرائيلياًبينهم 25 قتيلاً . لم تنصت أمينة لأوامر رؤسائها في الموساد بالتوقف – موقتاً – عنالعمل، فما كان ذلك إلا لحمايتها، لكنها

كانت ككتلة الثلج التي ذاب ماحولها، فهوت مندفعة لا يجرؤ إنسان على إيقافها أو التصدي لها، كانت تحمل روحها علىكفها، ولا تهتم بالخطر أو تحسب له حساباً، وفي لحظة استجمعت جرأتها

وطلبت منمارون الحايك أن يزورها في شقتها في بيروت، فأسرع إليها يمنّي نفسه بليلة ساخنة،لكنه ما إن دلف إلى الصالون، حتى وقف مذهولاً، وقد تجمدت الدماء في عروقه وتعلقتعيناه

الجاحظتان بنجمة داوود الزرقاء علىالحائط.

المصارحة

صارحت أمينة الحايك بكل شيء، وأنها عميلة للموساد،وأنه شريكها، وأطلعته على صور فاضحة تجمعهما، وأسمعته صوته وهو يمليها أرقامتلفونات رجال المقاومة، وانتهت الجلسة بأن وقّّع

على إقرار بالتعاون معالموساد، وطلبت منه أن تدخل الى غرفة السنترال المركزي لتستمع بنفسها للمكالمات بينالقادة الفلسطينيين، وهو مطلوب منه أن يفعل ذلك ويعلم بمواعيدالعمليات

الفدائية وأماكنها داخل إسرائيل. أسفرت تلك العملية عن فائدة عظيمةلإسرائيل، فالتجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية، كشفنواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم

الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة،ولم تكن الأحاديث الهاتفية مكشوفة تماماً، يستطيع المتنصت عليها إدراك مضامينهابسهولة، إنما اعتمدت على أسلوب التمويه والشفرة الكلامية التي

تتطلب مهارةعبقرية لفهمها، لكن زعماء الجبهات أحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية فيما بينهم صراحة، أو مع مساعديهم ظناً منهم – وهذا خطأ كبير – أن التجسسعلى

محادثاتهم أمر مستحيل من قبل اللبنانيين، فالدوائر الهاتفية المغلقةكانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات الأخرى في بيروت نفسها يتم بواسطة خطوطشبكة المدينة، وكذلك الاتصال

بخارج المدينة. كانت السرية خاضعة للخدش عنطريق زرع أجهزة التنصت، أو استراق السمع بأسلوب الحايك، من خلال الغرفة السرية التيأقامتها الميليشيا المسيحية في لبنان للتجسس على

المسلمين، وعلى الفلسطينيينأيضاً الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم، فكان بمثابة عاصمة فلسطينية وسطبيروت وجنوبها.

اتصل الحايك بأمينة قبل فجر 23 مايو (أيار) 1974، ففتحت علىالفور جهاز اللاسلكي، وبثت إلى الموساد رسالتها الخطيرة: (آر. كيو. آر. بعد 37دقيقة من الآن – سيهاجم ثمانية من

الفدائيين المتسللين مستعمرة زرعيت.. تسليحهم رشاشات كلاشن وقنابل 57 ملم.. شالوم) وبالفعل صدقت المعلومة تماماً، وأطبقالإسرائيليون على الفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا

اثنين. عندماكانت أمينة تتجسس بنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السري الخاصبمكتب جورج حبش، ولاحظت بعد مكالمات عدة له، أن هناك ترتيبات عسكرية تُعدبشكل

سري، حتى انفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا،وبدا حبش منفعلاً أشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13 يونيو (حزيران). في غمرة انفعاله، نطق اسم

كيبوتز شامير سهواً، لم تهمل عميلةالموساد الأمر، وأبلغت رؤساءها على الفور بما سمعته، وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسةمن الفدائيين القتلى على مشارف قرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبل

أن يستعملوارشاشاتهم الآلية، وفي 27 يونيو (حزيران)1974 لقي ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدماقتلوا أربعة من الجنود الإسرائيليين في نهاريا… هكذا كانت أخبار العملياتالفدائية تصل

أولا بأول إلى إسرائيل ويتم التعامل معها قبل أنتتم.

صائدة الخونة (3ـ 4)
أمينة المفتي… أبلغت الموساد بخطّةرصد لاغتيال الملك حسين
القاهرة – صلاح الإمام

كانت الحكومة الإسرائيليةمصمِّمة على تدمير البنية العسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان، وكانت جهودها لمتابعةمصالحها في لبنان تشمل دبلوماسية سرية، فقد حدث اتصال وثيق بينالموساد

وميليشيات لبنانية، حيث دعم الاتصالات معها على اعتقاد بأنها ستوفرمزايا مهمة لإسرائيل، أهمها إسكات المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان والتجسس علىالجيش السوري. لذلك كانت

صفوف طويلة من عملاء الموساد تعمل في لبنانباطمئنان وبلا خوف من السلطات اللبنانية، لكن الخوف كان منبعه جهاز المخابراتالفلسطيني الذى يرأسه علي حسن سلامة، الذي استطاع

بنفسه كشف أكثر من عشرينعميلاً للموساد بين صفوف المقاومة وأعدمهم بنفسه، وأحاط كل غريب بدوائر من الشكوكوالريب.

في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 1974عندما كانت أمينة في غرفة المراقبةالسرية بالسنترال، صُعقت وهي تستمع إلى حوار ساخن بين علي حسن سلامة وأحد مساعديه،وأدركت أنها النهاية

المؤكدة للملك حسين، كانت تنصت إلى حوار هادئ بين عبدالوهاب الكيالي زعيم جبهة التحرير العربية التي ترتبط بحزب البعث العراقي، وأحمدجبريل زعيم جبهة التحرير الشعبية التي نفذت

عملية فدائية ناجحة في إسرائيلمنذ فترة وجيزة، ولم يكن في الحوار أمر ذو أهمية. تحولت الى خطوط عرفات فكانتمغلقة، طرأ في بالها أن تدخل على خط علي سلامة، وكان يتحدث مع أبو

نضال،فضغطت على زر التسجيل ووضعت السماعات فوق أذنيها، وذهلت مما سمعته، لقد كان يدبرلاغتيال الملك حسين أثناء حضوره مؤتمر القمة العربية الذي كان منعقدًا وقتها فيالرباط !!.

أرسلت المعلومة فورًا الى الموساد، وبعد 36 دقيقة جاءتها رسالةتطلب منها إعادة البث، وكان القلق اعترى إسرائيل خوفا على الملك حسين، ومرت ثلثالساعة إلا دقيقة، حيث جاءت رسالة

أخرى تحمل أمراً في غاية العجب والدهشة،جاءتها أوامر بالبحث عن وسيلة لدخول شقة علي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله، وتعجبت منكونه أباً وله عيال، فكيف تقبل جورجينا رزق ملكة

جمال الكون أن تكون زوجةثانية، ولم تعرف بأن له زوجة أولى من أسرة الشيخ أمين الحسيني، وهي نفسها أمأولاده.

كانت المذابح التي مات فيها عشرات الآلاف من الأبرياء، المعروفةباسم «أيلول الأسود» وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات، والتييترأس عملياتها سلامة الذي نفذ أولى

عملياتها باغتيال وصفي التل، ثم توالتالعمليات في عواصم أوروبا ضد الإسرائيليين، وفكر سلامة جدياً في ضرورة التخلص منالملك حسين، وحالف الحظ هذا الأخير، عندما تمكنت السلطات

المغربية من إلقاءالقبض على وحدتي كوماندوز فلسطينيتين، وصلتا من إسبانيا لاغتياله، وعُتِّم علىالأمر خصوصا وقد حضر عرفات المؤتمر، وحقق نجاحاً كبيراً في الحصول على أكبردعم

عربي لشرعية منظمة التحرير، وبموجب مقررات مؤتمر الرباط، أصبحت المنظمةهي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ومسؤولة عن وضع الاستراتيجية التي تراهاكفيلة باستعادة

الحقوق المشروعة للفلسطينيين.

الخطأ القاتل
انشغلتأمينة بشكل لم يسبق له مثيل في عمليات التنصت على هواتف القيادات الفلسطينية، بلإنها استطاعت تجنيد صديقتها خديجة زهران، وكانت مقدمات للحرب الأهلية اللبنانيةبدأت وغطت

على كل شيء، وأصبح مقاتلو أيلول الاسود يكرسون جهودهم لمهام أخرى،وعندما طلبت أمينة الإذن بمغادرة بيروت إلى تل أبيب، أعيد تذكيرها بإيجاد فرصةمناسبة لدخول شقة سلامة ومحاولة

الحصول على القوائم السرية لرجال مخابراتهفي أوروبا، وخطط العمليات المستقبلية المطروحة. انتهزت أمينة فرصة لقائها بسلامة فيالكورال بيتش كالمعتاد، وسألته في خطأ فادح وقاتل عن

أولاده، فدهش الرجلالذي لم يحدثها عنهم من قبل مطلقاً، وبحاسته الأمنية العالية ملأه الشك تجاهها،وقرر البحث عن ماضيها وطلب من رجاله في عمان إعادة موافاته ببيانات عنالطبيبة

الأردنية أمينة داود المفتي، التي يعيش أهلها بحي صويلح، أرقى أحياءعمان وأروعها، فجاءه الرد بأنها بالفعل طبيبة أردنية، غادرت وطنها إلى النمساللدراسة، ولمشاحنات مع أهلها قررت ألا

تعيش في عمان، فاطمأن سلامة لتحرياترجاله وتجددت ثقته بأمينة، لكن بلاغاً سرياً من أوروبا وصل إلى مكتب المخابرات، قلبالأمور كلها رأساً على عقب. أفاد البلاغ أن شاباً فلسطينياً في

فرانكفورت،صرح لأحد المصادر السرية بأنه تقابل مع أحد الفلسطينيين في فيينا، وبعد لقاءات عدةبينهما في مقاهي المدينة، أخبره بأن له صديقة نمساوية يهودية، ماتت إثر تعاطيهاجرعة زائدة

من عقار مخدر، تزوج شقيقها الطيار من فتاة عربية مسلمة، وهربتمعه إلى إسرائيل خوفاً من اكتشاف أمرها وملاحقة أجهزة المخابرات العربية لها، وأنالفتاة كانت تدرس الطب في النمسا،

وانتقلت إلى لبنان بعدما أسقط السوريونطائرة زوجها، الذي اعتبر مفقوداً.

كان البلاغ يحمل نبرة عالية من الشك، فلوأن الأمر صحيح فهناك جاسوسة عربية بين الفلسطينيين. طلب سلامة إعادة استجواب الشابفي فرانكفورت، ولو اضطروا لأخذه إلى النمسا ليدلّهم

على الفلسطيني الآخر،وذيّل أوامره بضرورة السرعة، وإلى حين تصله معلومات أخرى، طلب حصر كل الطبيباتالعربيات المتطوعات في المستشفيات الفلسطينية واللبنانية أيضاً.

كان سلامةشاباً خارق الذكاء، شاهد بنفسه مقتل والده بيد اليهود وهو في الخامسة عشرة من عمره،وعاش مثل آلاف الفلسطينيين في مخيم بائس يفتقر إلى المياه والكهرباء، وفي نابلسأكمل

تعليمه وكان دائماً من المتفوقين، وبعدما حصل على الثانوية العامةبتفوق، حصل على منحة للدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت، التي كانت مجتمعاً لكبارالمثقفين الفلسطينيين، وتخرج في

الجامعة مهندساً ليلتقي بياسر عرفات الذيكان أسس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد هذا اللقاء تبدلت حياته كلها، إذ شغل منصبقائد القوة 17، ثم رئيس المخابرات الفلسطينية «رصد»

ورئيس العمليات في منظمةأيلول الأسود التي دوّخت إسرائيل بعملياتها الفدائية المذهلة.

استغل سلامةذكاءه الشديد في تعقّب الخونة والجواسيس الذين يُزرعون بين صفوف المقاومة، وتمكّنمن كشف عشرين منهم خلال فترة وجيزة، وحصل على دورات تدريبية على أيديرجال

المخابرات المصرية، وعشق مطاردة عملاء الموساد أينما كانوا، وأفلت مراتومرات من محاولات فاشلة لاغتياله، وبعدما جاءه البلاغ عن وجود طبيبة عربية متطوّعةتعمل لصالح الموساد في

بيروت، كانت أمامه بعد ثلاثة أيام قائمة طويلة تضمأسماء 37 طبيبة، أربعة منهن فحسب حصلن على شهاداتهن العلمية من جامعات النمسا، وكنجميعاً آنسات إحداهن بالطبع كانت أمينة داود

المفتي.

الرسالةالأخيرة

والى أن يصل التقرير الحاسم من أوروبا، أمر سلامة بوضع الممرضاتالأربع تحت المراقبة الصارمة طوال الأربع والعشرين ساعة، كان السباق محموماً للوصولإلى الحقيقة بأسرع ما يمكن،

وبينما الطقس مشحون بالشكوك والترقب، أحست أمينةبعيني الجاسوسة المدربة، بأن هناك عيوناً ترصدها، ولا تترك لها مساحة من الحريةلتتحرك بيسر كما اعتادت دائماً، وأول ما فكرت فيه

هو التخلص من جهازاللاسلكي، دليل الإدانة الذي سيقدمها إلى حبل المشنقة، فبثت رسالتها الأخيرة إلىالموساد: (آر. كيو. أر. هناك من يراقبني ليل نهار منذ الأمس.. أنا خائفةومرتبكة..

سأموت رعباً.. أفيدوني.. شالوم)، وبعد أقل من نصف الساعة جاءهاالرد يقول: (ضعي الجهاز بسلة قمامة الشقة العلوية.. احرقي الشفرة.. غادري بيروتبهدوء إلى دمشق بطريق البر..

ستجدين رسالة بمقهى الشام)، تنفست أمينةالصعداء، وشرعت فوراً في تنفيذ أوامر رؤسائها.

هروب فاشل

حملت أمينةحقيبة يدها الصغيرة وغادرت شقتها، لتدور بعدها في شوارع بيروت أشرس عملية هروبومطاردة بين الجاسوسة الخائفة ومطارديها، وفي موقف السيارات المتجهة إلىدمشق

اعتقدت بأنها أفلتت من المراقبة، حتى إذا ما صعدت إلى الباص واطمأنت فيمقعدها، فوجئت برجلي أمن يقفان إلى جوارها، فألجمها الخوف وانخرست، واعتقدت بأنهاالنهاية الحتمية لمشوار

خيانتها، فقررت بألا تموت على أيدي الفلسطينيين، وفيتصرّف لاشعوري مدت أصابعها تبحث عن كبسولة سم السيانيد بين خصلات شعرها، لكن أيديرجلي الأمن كانت الأسرع، إذ انقضت عليها

كما تنقض الكوبرا على فريستها،واقتيدت إلى سيارة بيجو استيشن مفتوحة الأبواب كانت تنتظر خلف الباص، يقف إلىجوارها رجلان آخران جامدا الملامح، وقبلما تبلغ أمينة البيجو فشلت

ساقاها فيحملها، فاضطر الرجلان إلى رفعها عن الأرض رفعاً، وألقيا بها إلى داخل السيارة التيانطلقت كالريح إلى حي الفكهاني، تسبقها سيارة أودي – 80 – إل إس تقل أربعة رجالمدججين

بالسلاح.

أمام أحد المباني بالقرب من المدينة الرياضية، سحبالرجال العميلة المغماة إلى الداخل، حيث أودعت في غرفة ضيّقة تحت الأرض، تكبِّليديها من الخلف سلسلة حديدية طويلة ربطت إلى الحائط.

لم يكن لدى المخابراتالفلسطينية، حتى وهم يراقبونها، دليل واحد ضدها، فالتقرير لم يصل بعد من أوروباليؤكد براءتها أو تورّطها، لكن حينما أمسك رجال الأمن بها كانت ملامحها كلهاتنطق

بالخوف وتضج بالرعب، ولأنهم اعتادوا تلك الملامح التي ترتسم عادة علىوجوه الخونة، أيقنوا بأن الأمر خطير جدًا، وأن الطبيبة المتطوّعة متورّطة في جريمةكبرى، وتحولت شكوك رجال

الأمن الى يقين مؤكد بعدما تعرضت المادة السائلةبالكبسولة للتحليل، واتضح أنها سم السيانيد الذي تكفي نقطة منه لقتل فيلبالغ.

كان لا بد من ترك أمينة هكذا لأيام عدة من دون استجواب، حتى تنهارإرادتها إلى الحضيض من ناحية، ولمحاولة امتلاك أدلة مادية من ناحية أخرى، ثم قامفريق متخصص بتفتيش شقتها تفتيشاً

غاية في الدقة، ولمرات عدة فشل في العثورعلى دليل يدينها، فالعميلة المدرّبة وعلى رغم خوفها الشديد، وجدت أمامها الفرصةالطويلة لإزالة أي آثار أو أدلة قد تقودها إلى الموت، ولم تترك

خلفها سوىالمصحف الشريف وقد انتزعت من منتصفه صفحات عدة، هي في مجملها كل سورة «بنيإسرائيل»، وصفحة ونصف الصفحة من سورة «الكهف»، وكان هذا الأمر يمثل لغزّامحيراً

لرجال «رصد».

كان جهاز الأمن والمخابرات «رصد» يعمل في تلكالفترة تحت قيادة أبو إياد «صلاح خلف»، الأب الروحي للمخابرات الفلسطينية ولمنظمةأيلول الأسود، برئاسة علي حسن سلامة رئيس العمليات

والدينامو المحركوالعبقري الفذ، ويعد الجهاز أكثر العناصر المكونة سرية داخل منظمة التحريرالفلسطينية، فهو جهاز الاستخبارات الأولية وعمليات مكافحة الجاسوسية، وفيه وحدةسرية

للعمليات الخاصة، وله مكاتب في كل من لبنان ومصر والأردن والمملكةالعربية السعودية والكويت وسورية، ويصعب تقدير عدد أعضائه على وجه الدقة. كان أبوإياد معلم الجواسيس الأول في

منظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤول عن أمنهاوجهازها السري، وما إن وُضع أمامه تقرير كامل عن أمينة المفتي، قال لسلامة: يجب ألانعاقب امرأة عربية من دون أدلة قطعية قوية تؤكد

إدانتها، فلننتظر تقريررجالنا في أوروبا، وحتى يصل التقرير فلا عقاب ولا استجواب.

كان رجالالمخابرات الفلسطينية في أوروبا يلهثون خلف الشاب الفلسطيني العابث، يرافقهم الشابالآخر صاحب البلاغ، والذي استقدموه من فرانكفورت رأساً إلى فيينا، فهو الوحيد الذييمكنه

التعرف إليه بسهولة. هكذا جابوا شوارع فيينا وحدائقها ومواخيرها مندون جدوى، وكأنما انشقت الأرض وابتلعته، ولم يكن أمام الرجال إلا طريقة واحدة – غاية في الخطورة – لاستجلاء

الحقيقة من مصادرها الرسمية، وهي البحث عن سجلاتمكتب الزواج من أجانب، وكان الخوف كل الخوف من لفت انتباه رجال الموساد في النمساإلى ما ينقبون عنه، لذلك كانت عملية البحث

تتم تحت ستار كثيف من السريةوالتكتّم، وبواسطة خطاب مزوّر صادر عن السفارة الأردنية في فيينا، يخاطب إدارة مكتبالزواج من أجانب، أمكن الوصول إلى عنوان شقة أمينة وحقيقة الزواج

المحرم. فيالحال، طار أحد الضباط إلى بيروت يحمل صورة رسمية من عقد الزواج، في الوقت ذاتهالذي اقتحم فيها رجال «رصد» شقة أمينة في فيينا، حيث عثروا على أجندة متوسطةالحجم،

سجلت فيها مذكراتها وتفاصيل عملياتها في بيروت قبل رحلتها التدريبيةالأولى الى إسرائيل.

السقوط
أخيرا انكشف أمر أمينة، من دون أن يلاحظ رجالالموساد المنتشرون في النمسا أي شيء، أو يخطر ببالهم أن رجالاً يفوقونهم ذكاءينقبون عن ماض غامض لعميلتهم المدرّبة. تجمعت كل الأدلة

على مكتب أبو إيادالداهية، ولم يكن أمامه سوى محاصرة أمينة والسيطرة عليها، لتكشف النقاب عما أبلغتهللموساد، ودورها الحقيقي في ترصّد حركة المقاومة، خصوصا بعد فشلعمليات

فدائية عدة كان وراءها جاسوس خفي، وأيضاً لترشد عن بقية أعضاء شبكتهافي بيروت أو خارجها.

كانت هناك خطط عدة لاستجواب الخونة والجواسيس يتّبعهارجال المخابرات الفلسطينية، أما والحالة هنا لامرأة عربية فالوضع يختلف، إنها إحدىالحالات النادرة التي تواجه أبو إياد ورجاله، لذلك

اقترح علي حسن سلامةالاعتماد على خطة جديدة تناسب الحالة، تقوم على إيهامها بأن زوجها موشيه كان أسيراًلدى السوريين، وأُطلق سراحه منذ أيام ضمن فريق من الأسرى في عملية

مبادلةنشرت عنها الصحف، وكان الغرض من ذلك كله إشعار الجاسوسة بعقدة الذنب، لتحسّ بالندمالشديد على ما ارتكبته فتعترف بلا إكراه أو تعذيب، وعلى ذلك سربوا إليها إحدىالصحف

اليومية وقد تصدرت صفحتها الأولى صورة زوجها الأسير وسط الكثير منزملائه، قبلما يغادرون سورية إلى إسرائيل برفقة رجال الصليب الأحمر، كانت هناكبالطبع نسخة وحيدة لتلك الصحيفة

طبعت خصيصاً للمهمة المحددة. وفي تدبير متفقعليه، دخل الحارس يقدم إليها طعام الإفطار وفي يده نسخة من تلك الصحيفة، شاهدت صورةموشيه في الصفحة الأولى، توسلت إلى الحارس أن

يقرأ لها المكتوب، فرفضونهرها، لكنها زادت توسّلاتها فوضع الصحيفة على الأرض، وكانت يداها مربوطتين للحائطبالسلاسل، لكنها تمكنت من قراءة الخبر، موشيه إذن حي، وعادلإسرائيل،

ألجمتها المفاجأة، غمرتها مشاعر الفرح مع الندم، كادت أن تصرخ،وصرخت بالفعل، فقدت توازنها، وتناست الآلام المبرحة التي تسبّبها لها القيودالحديدية في الزنزانة المظلمة.. سيطرت عليها

مشاعر مختلطة كادت تفتك بها،فكانت تضرب برأسها في الحائط، وتصرخ .. وتنادي موشيه أن يأتيهالينقذها.

(يتبع) ..

صائدة الخونة (4 ـ 4)
أمينة المفتي… بعدالقبض عليها نجحت في تجنيد حارسها
القاهرة – صلاح الإمام

في 8 سبتمبر (أيلول) 1975، وبعد تسعة أيام من اعتقالها، اقتيدت أمينة المفتي إلى مكتب ضابطمخابرات فلسطيني يدعى «أبو داود»، وبدأ باستجوابها متّبعّا أسلوبًا هادئًا، وواجههابمذكراتها

التي كتبتها بخط يدها وخبأتها في شقتها في فيينا، فعللت ذلك بأنهامريضة بالتوهّم وبأحلام اليقظة، وأنكرت كل ماهو منسوب إليها، وكانت إجاباتها مرتبةمنسقة خالية من أي تناقض حسبما

تدربت على ذلك، وبدت ثابتة تمامًا أثناءالتحقيق معها. كان مطلوبًا من أبو داود الإسراع بأخذ اعترافاتها قبل أن يهرب أعضاءشبكتها، واستمرت أول جلسة تحقيق معها 18 ساعة متصلة من

دون أن تبدي أي ضعفأو انهيار، وكانت كل أسئلة المحقق لها إجابة منطقية عندها، ما عدا شيئا واحدا، إنهسم السيانيد، واستفادت من دراستها للطب النفسي، فبررت وجوده معها بأنهامريضة

بمرض الجنون الدوري الذي يدفعها للتفكير في الانتحار(!!)، لكن لا يغيبعن رجال المخابرات أن هذا النوع من السم غير موجود في الأسواق، ويستخدمه رجالالمخابرات فحسب للتخلص من

ضحاياهم، وبالتالي كان وجوده معها قرينة مؤكدةأنها عميلة مخابراتية، وأمام نفيها لكل شيء تخلى أبو داود عن أسلوبه الهادئ، وقررأن يتحول إلى أسلوب القهر والتعذيب، وأناب عنه زميله «أبوالهول» في مواصلةاستجوابها.

كانت أمينة تعلم أن أدلة تورّطها في الخيانة هشة جدا، وكانتتعد نفسها للاستجوابات التالية، لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد هي أن السلطاتاللبنانية تدخلت للإفراج عنها لدى الفلسطينيين،

لتقوم هي بالتحقيق معها. رأىالفلسطينيون أن يسلموها للسلطات اللبنانية كي لا تزداد الخلافات حدة، في وقت كانتالحرب الأهلية بدأت تستعر نيرانها. رأت السلطات اللبنانية أنها بريئة،وأن

الشكوك التي أحاطت بها ظالمة، وهي طبيبة عربية مخلصة لوطنها(!!)،وخيروها بين البقاء في بيروت أو الرحيل عن لبنان.

كهف السعرانة

فيأعقاب ذلك، قام أبو إياد بزيارة منزلية للشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخليةاللبناني، وقال له إن التعاون الأمني بين المنظّمة والسلطات اللبنانية أمر مطلوب،لأن في لبنان طوابير من

جواسيس الموساد يجوبون فيها شرقا وغربا، وطلب منه أنتبقى أمينة في حوزتهم لثلاثة أيام ليتمكنوا من كشف شبكتها. وافق تقي الدين على مطلبأبو إياد وأمر باعتقال أمينة مرة ثانية

والبحث في أمر العملاءالآخرين.

عادت أمينة مرة أخرى الى زنزانتها تحت الأرض مقيّدة بالسلاسلالغليظة، وطرح رجال المخابرات الفلسطينيون فكرة نقلها الى مكان آخر تحسبًا لأن تعودالسلطات اللبنانية بطلبها، أو يقوم

الموساد بعملية كوماندوس لخطفها، أو تفجرالمكان لسد الطريق على اعترافاتها، لكن صلاح خلف «أبو إياد» رأى أن تُنقل بأسلوبآخر، لأن نقلها الى مكان جديد موحش سيشعرها بالخوف

والرهبة ويجبرها علىالاعتراف. استقر الرأي على نقلها الى كهف السعرانة في الجنوب اللبناني، بالقرب منشاطىء البحر المتوسط، حيث توجد معسكرات الفدائيين الفلسطينيين بالقربمنه.

وسط حراسة مشددة، نُقلت أمينة في سيارة عسكرية وهي مغماة الى منطقةالكهف المذكور، وظلت السيارة تسير بها قرابة ساعتين، وبعدها اصطحبتها أيادٍ خشنة فيطريق صاعد وسط الصخور

استغرق حوالي ساعتين أيضًا، ثم رفعوا الغمامة من علىعينيها، فرأت المكان الموحش المرعب الذي نقلت إليه، ولم تعرف أين هي بالضبط، إنهاعلى مشارف مغارة لكن لا تعرف في أي أرض

تقف، ثم اقتيدت الى مكان شبه مظلم،روّعها ما رأت فيه، فلقد رأت فتاة في مثل سنها مربوطة من قدميها إلى السقف والدماءتسيل من كل جزء من جسدها، كانت جائعة وعطشانة تحلم بكسرة

خبز سوداء وشربةماء ولو من مياه الصرف، ورأت رجلا صارما يطلب من جنوده أن يربطوا يديها ورجليها منخلف، ويعلقوها حتى يجيء أبو الهول.

تعرضت أمينة لأساليب تعذيب نفسية شديدةللغاية، إلى جانب التعذيب البدني، وقام رجال المقاومة بقتل الفتاة التي كانت معلقةبجوارها رمياً بالرصاص على مرأى منها، واتضح بعد ذلك أنها

تمثيلية أعدّتباتقان لبث الرعب داخل أمينة فتنهار وتعترف، وأن الفتاة المعلقة كانت صديقة لرجالالمقاومة، وقامت بأداء دورها بكل اتقان على رغم أنها فرنسية الجنسية، وكان من نتائجتلك

التمثيلية المحبوكة أن تعالى صراخ أمينة تطلب أن يكف الجنود عن ضربهابالسياط ويخرجوها لأنها ستعترف بكل ما عندها.

أمام أبوالهول

اقتيدتأمينة للاستجواب في مكان خال في الجبل، حتى يبدو أنه خال من أجهزة تنصّت، لكنه فيالحقيقة كان مجهزا بدائرة تسجيل تعمل ببطارية سيارة جيب تقف على بعد عشرات الأمتار. تولى

أحد الضباط التابعين للعقيد أبوالهول أمر استجوابها فسألها: من هورئيسك المباشر في الموساد؟ لكنها أجابت: سأموت عطشا.. اسقني، لكنها قبل أن تكملجملتها كان رد الضابط إشارة بإصبعه

الى أحد الجنود ليهوى سوط من نار علىظهرها، فأجابت على الفور: اسمه اشيتوف، فسألها: أين جهاز اللاسلكي ونوتة الشفرة؟أجابت وهي تنظر الى الكرباج برعب: أمروني أن أضعه في

صندوق قمامة أعلى شقتي،وأن أحرق أوراق الشفرة التي كانت بالمصحف. زاد الضابط المحقق جرعة التعذيب والضغطالنفسي عليها كي لا يعطيها فرصة للتفكير والكذب، وأوحى لها أن موشيه

كان رجلمخابرات إسرائيليًا تزوجها لتجنيدها وأنه لم يكن يريد منها سوى ذلك، فتوالتاعترافاتها كالسيل، كي لا يتعصب وينفذ تهديده بقتلها بالرصاص، فاعترفت على كلشركائها في لبنان،

بمن فيهم مدير السنترال الذي فتح لها الغرفة السريةللتنصت على مكالمات رجال المقاومة. بعد ذلك حضر العقيد أبوالهول بنفسه بوجهه العابسوملامحه الجامدة، وشرع في توبيخ الضباط

والجنود الذين لم يعذبوها بما فيهالكفاية، ولامهم أشد اللوم لأن جسدها لا ينزف كله، فإذا ما راحت في شبه غيبوبة منالرعب والخوف وتأكد من انهيار مقاومتها تماما، أخذها ليستجوبهاثانيةً

بنفسه، وأمام العقيد أبوالهول، أجابت أمينة عن كل أسئلته، واعترفتبكل شيء، وقصت قصتها كاملة منذ ذهابها الى النمسا وزواجها بموشيه اليهودي واعتناقهالليهودية ثم هجرتها لإسرائيل

وعملها مع الموساد.

بعد انتهاء التحقيقمعها واستيفائه، أُرسِل الملف بالكامل الى أبو إياد ثم ياسر عرفات، وفي الساعاتالأولى من صباح اليوم التالي قُبض على مدير السنترال مارون الحايك، ومانويلعساف،

وخديجة زهران، لكن عساف ألقى بنفسه من الطابق الخامس ليلقى مصيرهمنتحرا، في حين استسلم الحايك وخديجة لرجال المخابرات الفلسطينية، واقتيدوا إلى حيثترقد أمينة في كهف السعرانة،

وعلِّقا أمامها، والسياط تلهب ظهريهما، واعترفاتفصيليا بكل ما فعلاه، وبعد انتهاء التحقيق معهما سلِّما للسلطات اللبنانيةلمحاكمتهما.

أما أمينة فقد امتنع الفلسطينيون عن تسليمها للسلطات اللبنانية،ولم يستجيبوا لضغوط وزير الداخلية بتسليمها. تغاضى الوزير عن ذلك، وانكمشت أمينة فيمحبسها مكبلة بالحديد تنتظر الموت

بين لحظة وأخرى، وخضعت لاستجوابات تاليةعدة للكشف عن المعلومات التي أدلت بها للموساد لتلافي أي خطر يحيق برجال المقاومة،وليقوموا بتعديل خططهم وتحركاتهم ومخازنهم وعملياتهم

التي انكشفت، ويبدو أناعترافاتها لم تكن كاملة، فقد أخفت الكثير عنهم، وذلك حسبما اعترفت بعد ذلك فيمذكراتها التي نشرتها في إسرائيل في أكثر من 600 صفحة.

نشرت الصحف اللبنانيةخبر القبض على أمينة وأفراد شبكتها، فارتجت كل أجهزة الموساد، وجرت اجتماعات غيرعادية لكبار قادتها، فلا بد من عمل المستحيل لاستعادة عميلتهم الأسطورية،وإلا

فإن جواسيسهم في لبنان سيقعون أو سيهربون خوفا وهلعًا. على جانب آخر،أرجأ ياسر عرفات تقرير مصير أمينة، وعارض رأي علي حسن سلامة الذي طلب سرعة إعدامها،فقد كان عرفات

يرى فيها فرصة لاستعادة عدد من رجال المقاومة الموجودين فيسجون إسرائيل.

لم تضع أمينة وقتها في السجن هباءً، وراحت تنسج شباكها علىواحد من حراسها ويدعى حسن الغزاوي، فأقنعته بأن الفلسطينيين فعلوا بها ذلك نكاية فيعمِّها الذي يشغل منصبا كبيرا في

البلاط الملكي الأردني، لأنهم تصوروا أنهأحد المحرضين على مذابح أيلول الأسود، فتعاطف الرجل معها. أجادت أمينة لعبة السيطرةعليه، لدرجة أنه أصبح يحلم بالذهاب إلى إسرائيل معها، وبدأ

يستجيب لأفكارهافي إمكان تهريبها وهروبهما سويا عبر الحدود، فكانت بذلك أول عميلة للموساد تجنّدحارسها. لكن حلمهما خاب عندما أفضى الجندي بسره إلى أحد زملائه في المخيم،فروقب

وضُبط وهو يحاول إدخال سترة عسكرية لأمينة كي ترتديها في رحلةالهروب!، وانتهى حلمه بإعدامه رمياً بالرصاص في أكتوبر (تشرين الاول) 1976، وضوعفتالقيود الحديدية بيدي أمينة

ورجليها، وشُدت مصلوبة إلى الحائط، وقلِّلالمنصرف لها من الطعام والشراب، حتى تقيحت أطرافها وشحب جسدها، ومرت خمس سنوات وهيبتلك الحالة، حتى باتت لا تحلم إلا بالموت ليريحها

من هذا العذاب القاسيجدا.

مبادلة بالأبطال

كانت منظمة الصليب الأحمر تكثف من اتصالاتهابالجانب الفلسطيني سعيا وراء مبادلة أمينة، لكن العرض الإسرائيلي كان هزيلا، فقدطلبوا مبادلتها بفلسطيني واحد شريطة ألا يكون متهما بقتل

إسرائيليين، فرفضعرفات واشترط لمبادلتها الإفراج عن اثنين من أشهر الفدائيين الفلسطينيين، وهما محمدمهدي بسيسو المحكوم عليه بالمؤبد في إسرائيل بسبب قيامه بعملية فدائيةبواسطة

زورق عام 1971 أسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من الإسرائيليين، ووليمنصار المحكوم عليه بالمؤبد أيضا لقتله ثلاثة إسرائيليين عام 1968بالقدس.

قوبل الرد الفلسطيني بتعنّت، وقال ممثل الصليب الأحمر لياسر عرفاتإنها لا تساوي شيئا عندهم، فهي مصنفة على أنها خائنة لوطنها ودينها وأهلها، فكان ردعرفات أن لا حل أمامه سوى

الاستجابة للضغوط وإعدامها أمام شاشة التلفزيونلتكون عبرة لكل عملاء إسرائيل، فانزعج إسحاق حوفي من هذا الرد، لأنه يصيب كل عملاءالموساد في الدول العربية بالهلع، وقد يتسبب ذلك

في تعطيل شبكاته التيأنفقوا عليها ملايين الدولارات، ولم يجد بدًّا من الاستجابة لطلب الفلسطينيين، علىأن يترك لمنظمة الصليب الأحمر اختيار البلد الذي تتم المبادلة على أرضه وتحتحمايتها.

قامت منظمة الصليب الأحمر بتنشيط اتصالاتها بعدد من الدول لكي تتمعملية المبادلة على أرضها، فرفضت حكومات فرنسا وإيطاليا واليونان وبلغاريا، بينماوافقت حكومات تركيا ورومانيا

وقبرص على تأمين الحماية للطرفين فوق أراضيها،ووافق الطرفان على قبرص، وأعلن وزير الداخلية القبرصي أن عملية المبادلة حدّدت في 13فبراير (شباط) 1980 على أرض مطار لارناكا

الدولي، وتقرر إغلاق المطار أمامالملاحة الدولية في هذا اليوم بدءاً من الساعة 14:00 حتى الساعة 20:50، وظلتالأعصاب متوترة مشدودة منذ تقرر المكان والزمان.

قبل الموعد بعشرة أيام، زارأمينة في السجن ضابط من قيادة المنظمة، وأمر بفك قيودها، وتقديم الطعام الشهي لهالتستعيد قوامها، وأعطاها محاضرة بليغة في القيم، وشرح لها حجم جريمتها

في حقوطنها ودينها وأهلها، وقال لها إنها مسؤولة عن آلاف الأيتام ومئات الأرامل، وكم منبيوت خربت بسببها، وكم من دماء طاهرة سالت بسبب خيانتها، فكانت تبكي، ولا أحد يعلمأهو بكاء

الفرح أم بكاء الندم، لكنها تعترف في مذكراتها بأن كلمات الضابطكانت أقسى من رصاصات مدفع رشاش تخترق جسدها.

في صباح 9 فبراير (شباط)، نقلتأمينة سرا إلى معسكر جنوب صيدا، ونقلت مساءً بسرية تامة إلى بيروت، وسط طابور منسيارات الحراسة المسلحة، حيث أودعت إحدى الغرف في مقر

المنظمة في بيروت،بعدما قضت في كهف السعرانة 1561 يوما طبقا لحساباتها التي نشرت في مذكراتها، وفيمقر المنظمة رافقتها فتاتان، ونامتا معها، لكنها لم تنم ليلتها، فهي لو سافرتالى

إسرائيل لن يُسمح لها بمغادرتها، وستعيش باقي عمرها فيها، وتذكرت لحظتهاأمها وأسرتها، فانتفضت من فراشها تصرخ وتبكي: لا أريد العودة الى إسرائيل.. اتركونيهنا، اعدموني هنا،

أعيدوني لسجن كهف السعرانة، أكره إسرائيل.. أكرهها، كانتفي قمة ندمها، وتوسلت لهم أن يعدموها، أو يتركوها بقية حياتها في السجن مكبلةبالحديد لكن لا يتركوها تعود لإسرائيل، فكان رد

الضابط أنهم سيبادلون خائنةباثنين من الأبطال، ثم دخل طبيب ليحقنها بمخدر جعلها تروح في نوم عميق.

فيمساء 13 فبراير (شباط) 1980، اقتيدت أمينة وسط حراسة مشددة إلى مطار بيروت، وركبتطائرة خطوط الشرق الأوسط وسط عدد من الضباط والجنود الفلسطينيين وممثليالصليب

الأحمر، واتجهت الطائرة إلى أنقرة، خشية اعتراضها من سلاح الجوالإسرائيلي، ومن أنقرة عادت الطائرة إلى قبرص، داخل الغلاف الجوياليوناني.

النهـاية

كانت قبرص في هذا اليوم تعيش يوما عصيبا لمتر مثله، حيث شهدت استنفاراً أمنيا ًغير مسبوق، وامتلأت شوارعها بالسياراتالمصفّحة، واعتلت القناصة الأسطح، وأحاطت المدرعات بمطار

لارناكا، ولما هبطتالطائرة اتجهت إلى حظيرة خاصة تحيط بها أرتال من المدرعات، وحبس الجميع أنفاسه لحينهبوط طائرة العال الإسرائيلية، ولما حانت لحظة إخراج أمينة تمنعتبشدة،

فحملها ضابط على أكتافه وأودعها مدرعة قبرصية أقلّتها الى طائرة العالفي اللحظة نفسها التي كانت مدرعة أخرى تقل البطلين الفلسطينيين.

استغرقتعملية المبادلة حوالى 43 دقيقة حبس فيها الكل أنفاسه، راحت خائنة، وعاد بطلان، وكانياسر عرفات في شرف استقبالهما. أما أمينة فقد انتهت بها الحال بالعيش أشهر عدةفي

مصحة نفسية، ثم انقطعت أخبارها بعد ذلك، وتعددت روايات كثيرة حول مصيرها،فهناك من يقول إنها قامت بعمل جراحة لتغيير ملامحها وهاجرت الى الولايات المتحدة،وهناك مصادر تقول إنها

هاجرت إلى جنوب إفريقيا.

وما زال تاريخ الصراعالعربي – الإسرائيلي يعج بعشراتأو مئات القصص المماثلة.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s