الرئيسية » مقالات » دور الإعلام الدعائي في التلاعب بالرأي العام العالمي

دور الإعلام الدعائي في التلاعب بالرأي العام العالمي

دور الإعلام الدعائي في التلاعب بالرأي العام العالمي

ميشال كولون (1)
ترجمة: فافة الشيخ صالح
|1| المبادئ الخمسة للحرب الدعائية الإعلامية
يمكننا في البداية(2) أن نؤكِّد أنَّ التضليل الذي تمارسه وسائل الإعلام على مستوى العالم، لا يعود إلى أخطاء فردية أو محدودة، وإنما هو عبارة عن حملة إعلامية منظَّمة، تستهدف عدَّة مناطق في العالم، بما فيها فلسطين، وتعمل لصالح القوى الامبريالية.
أقول دائمًا، وأعتقد بقوَّة، أنَّ الحروب لا تبدأ بالقنابل، وإنما تبدأ بصحافة كاذبة. عندما يقرِّر نظام معيَّن مهاجمة شعب، سواء أكان هذا الشعب في الشرق الأوسط، أم في أمريكا اللاتينية، أم في إفريقيا أم في أيِّ مكان آخر في العالم، فإنَّ الحرب تُسبق ثم تُرفق بحملة دعائية منظَّمة لصالح المعتدي، أو لِنقُل بحملة دعائية حربية تهدف إلى خدمة المعتدي.
دور الإعلام في هذه الحالة يتمثَّل في حمل الرأي العام الغربيِّ على دعم تلك الحروب، أو على الأقلِّ عدم الوقوف ضدَّها؛ حيث أني – وفي أثناء دراستي لهذا الموضوع – أخذتُ نماذج عدَّة من جميع أنحاء العالم، تعود لحروب اندلعت خلال العشرين سنة الأخيرة في العراق، ويوغوسلافيا، وأفغانستان… كما أخذت بالدراسة أمثلة للحروب غير المعلنة، مثل حرب الكونغو ودول أخرى.
توصَّلت من خلال هذه الدراسة إلى تحديد خمس مبادئ أساسية، تتبنَّاها وتعمل وفقها كلُّ الحملات الدعائية الحربية المرفقة بتلك الحروب. كما توصَّلت إلى قناعةٍ، وهي أنَّ هذه المبادئ الخمسة لا تخلو منها كلُّ الصراعات التي يشهدها العالم. ومن ثمَّ أرى ضرورة أن يكتسب كلُّ واحد منَّا القدرة على التعرُّف عليها، مباشرة بعد استقباله لأيِّ معلومة تصله من وسائل الإعلام؛ ومن هنا العمل على توضيحها لإفراد عائلته، وأقربائه، ولزملائه في العمل… الخ.
أولاً: العمل على إخفاء الكثير من الحقائق التاريخية المتعلقة بالمنطقة المعتدى عليها:
في كلِّ مرَّة تندلع حرب في مكان معيَّن من العالم نلاحظ قيام حملة إعلامية تسعى لإخفاء الحقائق التاريخية المتعلقة بالمنطقة، والتي عادة ما تكون مهمَّة وضرورية لفهمٍ أفضلَ لظروف ولطبيعة الصراع الدائر في منطقة ما. فمثلا في سنة 1990 عندما اندلعت الحرب ضدَّ العراق بعد احتلاله للكويت، قامت حملة دعائية إعلامية واسعة لدعم هجوم أمريكا وأوروبا على العراق، وتشويه النظام العراقي الذي ارتكب أمرًا مكروهًا يُحتِّم على المجتمع الدولي بقيادة أمريكا التدخُّلَ لوقفه ولتحرير الكويت. وقد عمدت تلك الحملة إلى إخفاء حقيقة مهمَّة لفهم طبيعة ذلك الصراع، فلا أحد تحدَّث يومها عما قامت به بريطانيا قُبيل إنهاء احتلالها للعراق سنة 1921، عندما قامت بفصل جزء من العراق (ما يعرف الآن بالكويت)، وقد كان الهدف من هذا الاستقطاع، كما قال المندوب البريطاني في العراق يومَها، هو خلق بؤرة للفتنه، وكذا إضعاف العراق بمنعه من المنفذ البحري الوحيد الذي كان يملكه.
هذه الحقيقة تم إخفاؤها تمامًا عن الرأي العام الغربيِّ، الذي لا يعرف تاريخ المنطقة، وبالتالي لا يمكن أن يفهم أو يستوعب الأسباب التي أدَّت بالعراق إلى احتلال الكويت، ولا يمكنه أن يقف سوى مساندًا ومدعِّما للحرب التي قامت بعدها ضدَّ العراق.
توجد أمثلة كثيرة في الموضوع، وبالنظر إلى منطقة أخرى من العالم، نجد أنَّ الشعب الايرلندي يتعرَّض لنفس المؤامرة عندما يحاول الإعلام أن يصوِّر ما يحدث من صراعات بين سكَّان المنطقة على أنها نتاج لحروب دينية، نشأت منذ عهود بين جزء من السكَّان الذين ينتمون للمذهب البروتستانتي وجزء آخر يدين بالمذهب الكاثوليكي. في الواقع هذا خطأ آخر ترتكبه الآلة الدعائية، حيث تم إخفاء حقائق مهمَّة عن المنطقة، إذ أنَّ الحرب القائمة في المنطقة هي حرب استعمارية بقيادةٍ بريطانيةٍ، فقد عمدت هذه الأخيرة، في القرن التاسع عشر، إلى استعمار أيرلندا، لكونها دولة زراعية غنية بالمحاصيل الزراعية، وقد كانت بريطانيا يومها بحاجة ماسَّة لمثل هذه الثروة؛ حتى تتمكَّن من دفع أجور عمَّال مصانعها بأقلَّ ثمن ممكن، وبالاعتماد على الذرة والحبوب المختلفة التي يمكن أن تحصل عليها من أيرلندا. وحتى يتسنى لبريطانيا الاحتفاظ بجزء من أيرلندا قامت بإحضار سكَّان ينتمون إلى مذهب مختلف عن سكَّان المنطقة الأصلين وأسكنتهم في الجزء الذي احتفظت به، ومن ثمَّ قامت بتأجيج نار الفتنة بين الطائفتين، وإلهاء السكَّان بصراعات داخلية مقيتة، وهو ما سمح لها بمواصلة تدخُّلاتها في المنطقة، وخدمة مصالحها الاقتصادية. كما فعلت بعد ذلك في فلسطين، عندما أحضرت اليهود ومكَّنتهم من الاستقرار في المنطقة.
ثانيًا: إخفاء كلِّ ما يتعلَّق بالمصالح والمطامع الاقتصادية المرجوة من العدوان على منطقة معينة:
الأمر الثاني الذي تحاول الدعاية إخفاءه عنَّا هو أنَّ كلَّ حرب، وبدون استثناء، تنشأ وتقوم من أجل المال، ولخدمة مصالح أرباب المال، ولصالح العجلة الاقتصادية العالمية. في كلِّ مرة تحاول الدعاية الحربية المنظَّمة إقناع الرأي العامِّ على ضرورة القيام بحروبٍ، وتغطية الحملة بدوافع تختفي خلف مبرِّرات إنسانية وحضارية، مثل محاربة الإرهاب، والمحافظة على السلام العالمي، ونشر الديمقراطية، ومحاربة الفقر في العالم، في حين أنَّ كلَّ هذه الحروب لها أسبابها الاقتصادية. وعلينا أن نعلم أنَّ فداحة انتشار الفقر والبؤس والصراعات حول العالم دون تدخُّل تلك القوى المستعمِرة لهو خير دليل على أنَّ تلك الحروب الموجَّهة مقصودة ومدروسة، وليس لها أسباب إنسانية كما اعتادوا إسماعنا إياه.
يمكن في هذا الصدد أن أسرد مثالاً من فنزويلا, وهنا أشير إلى أهمية عدم حصر التركيز فقط على الصراع في الشرق الأوسط، ففنزويلا بلد نفطي كما الدول العربية ثم إن “شافيز” رجل مهم للغاية ليس فقط للشرق الأوسط وإنما للعالم بأسره.
عندما تصل إلى كركاس عاصمة فنزويلا تجد نفسك في المطار الذي بُنيَ قُرب سطح البحر ويبعد بحولي 1000م عن وسط المدينة، من هنالك تلاحظ جبالا شديدة الانحدار، تتميز بها العاصمة، وإذا تأمَّلت في تلك الجبال تلاحظ وجود الآلاف من البيوت القصديرية، حينها يحملك الفضول وتسأل العارفين عن حقيقة تلك البيوت، فيخبرك أهل المعرفة أنَّ الآلاف بل الملايين من سكان فنزويلا يعيشون فيها. وعندما تذهب في رحلة استكشافية للمنطقة تصطدم بواقع من الفقر المزري، يعيش فيه سكَّان تلك المنطقة في بيوت أرضها الأرض وسقفها من القصدير، بلا ماء ولا كهرباء ولا مجاري، ولا أدنى الشروط الصحية للحياة. تزداد المفاجأة لديك وأنت تعلم أنَّ فنزويلا تُعتبر إحدى أغنى دول العالم (رابع ثروة نفطية في العالم)؛ حينها لا تجد بدًّا من سؤال نفسك مندهشًا، ومن سؤال الآخرين مستعلما عن أموال النفط وأين تذهب؟
يدلُّك المتتبعون إلى أحياء تعرف بـCountry Club؛ هناك ترى أموال النفط، وتكتشف واقعًا مغايرًا تمامًا للأوَّل: بيوتٌ على شكل قصور فخمة، بمساحات مائية شاسعة، وبميادين للألعاب لا ترى مثلها سوى في أغنى مناطق العالم؛ كما تلاحظ أنَّ تلك البنايات الفخمة مجهزَّة بأغلى الأجهزة: من كاميرات مراقبة، وأنظمة حراسة..
هناك في Country Club تذهب أموال النفط التي يستغلُّها مجموعة من أثرياء فنزويلا، كما يملكون ثروات هائلة يستثمرونها في جهات أخرى من العالم، تمتد من ميامي إلى سويسرا. وبفضل هذه الفئة تقوم أكبر الشركات البترولية مثل EXXON الأمريكية وBP البريطانية بامتصاص كميات هائلة من ثروات فنزويلا لصالحها ولصالح شركائها. وللعلم فإن شركة اكسون قامت بتحقيق 45 مليار أورو من الأرباح خلال عام واحد.
قمت بالتذكير بكلِّ هذا حتى أصل إلى صميم الموضوع، وهو صعود “هقو شافيز” إلى السلطة, وقد كان الحدث كبيرا جدًا ونحن نعلم حجم الهجوم الذي شنته الآلة الإعلامية الغربية على “شافيز”، فقد صوَّرته للرأي العام في أبشع صورة، وعلى أنـَّه عدوٌّ للسَّامية، ودكتاتور، ورئيس دون أرضية شعبية، إلى آخر ذلك من النعوت السيئة. كما سعت عدَّة قوى غربية لتنظيم انقلابات سياسية ضدَّ حكمه، وإلى محاولة تعطيل الصناعة البترولية التي تعمل فوق أرضه.
في الواقع حين نحاول أنَّ نبحث عن الأسباب التي تقف وراء هذه الحملة الدعائية الشرسة، نكتشف أنَّ الهجوم على “شافيز” يعود لسياسة هذا الأخير؛ إذ إنَّ “شافيز” مَا إن وصل إلى سدَّة الحكم في فنزويلا حتى سعى إلى تحرير فنزويلا من قبضة شركات البترول التي عملت طويلا على سرقة الشعب الفنزويلي. فقد قام “شافيز” باسترجاع ثروة الشعب وتوزيعها لصالحه، كما سمح بتوزيعٍ أكثر عدلا لثروة البلاد، وعمل على تمكين السكَّان من التعليم ومن الرعاية الصحية. فقبل مجيء “شافيز” إلى الحكم كان أكثر من 80% من سكان فنزويلا يعيشون تحت خطِّ الفقر (تقلص العدد في عهد “شافيز” إلى 40%) كما أن  منهم لم يحدث أن زاروا طبيبا في حياتهم؛ لعدم قدرتهم على دفع ثمن الاستشارة الطبية. وعندما تسعى الشركات البترولية للهجوم على “شافيز” فإنـَّها تحاول أن تقول “نحن قرَّرنا أمرا واحدا وهو: أنـَّنا الأحقُّ بأموال النفط، وعلى الشعب الفنزويلي أن يموت جوعا، ويبقى قابعا في فقره”.
ونحن كمحلِّلين، نعتقد أنَّ هذا درس مفيد ومهمٌّ للدول العربية في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي تعاني فيه الشعوب في مصر وعدَّة بلدان عربية من فقر مدقع، نرى كيف يتمُّ التلاعب بأموال النفط في دول الخليج؛ حيث فشلت هذه الدول في استثمار حقيقيٍّ لأموال النفط، وتقتصر إنجازاتها على التنافس بينها لبناء أطول برج في العالم، يصل حجز غرفة واحدة منه إلى 20 ألف أورو لليلة الواحدة، ولا أحد غير أرباب المال العالميين بإمكانه أن يدفع ثمنها. ولو استُعملت الأموال بشكل أمينٍ ورشيد في الدول العربية، بخاصة النفطية منها، ولو تم توظيفها لبناء قاعدة اقتصادية صحيحة، لحقَّقت الدول العربية نموًّا مُبهِرا، وفي ظرف وجيز جدًّا، ولسوف تتمكن من تحقيق حياة كريمة لجميع سكانها.
نعود لفنزويلا لنؤكِّد أنَّ الهجوم الذي يتعرَّض له “شافيز” إنما يعود لأسباب اقتصادية، تعمل الحملة الدعائية على إخفائها، وتقتصر على الهجوم على نظام “شافيز” الذي سعى لإفشال مشاريع “مليارديرات النفط” في المنطقة. إنها إذا حروبٌ اقتصادية، قامت من أجل خدمة مصالح فئة معينة.
ثالثًا: تشويه صورة الخصم وإظهاره في مظهر شيطاني:
في أثناء إعلان الحرب على نظام معيَّن تسعى الدعاية الحربية لبذل كلِّ ما بالإمكان لإعطاء صورة شيطانية قاتمة عن الخصم، كما تسعى لنشر صور ووثائق، وكلِّ ما يمكن أن يعمل في رسم صور تظهر الخصم كعدو خطير للبشرية وللحرية ولحقوق الإنسان. وقد نرى نموذجا من خلال ما قام به الرئيس الأمريكي “بوش” انطلاقا من هجمات سبتمبر. وحتى يتمَّ صرف انتباه الرأي العام لبعض القضايا ولمحاولة الفهم، تسعى الآلة الدعائية لإشغاله وإثارة مخاوفه، باستعمال أكاذيب تتعلَّق بأسلحة الدمار الشامل، وبالإرهاب، أو بالإسلام الرّاديكالي. ولا تتوان تلك الدعاية عن القيام بتأليف قصص، واختراع صورٍ، لأجل خدمة أهدافها التضليلية، لتشويه صورة الخصم وإخافة الرأي العام.
رابعًا: تقديم المعتدي على أنـَّه لا يقوم بالحرب ضدَّ الشعب وإنما ضد أنظمة فاسدة ودكتاتورية:
عندما تشنُّ الدول الغربية الاستعمارية حربًا في منطقة ما، تسعى بكلِّ ما أوتيت من جهد للتّأكيد على أنَّ حربها ليست موجَّهة ضدَّ الشعب، وإنـَّما ضدَّ أنظمة فاسدة وديكتاتورية، وتحاول في كلِّ مرة أن تخاطب الشعوب بأنها دول محبَّة للسلام، تريد الخير لتلك الشعوب، ولا تريد الإضرار بالسكان، رغم إلقائها بالقنابل عليهم، وإنما الأمر يتعلق بحكَّامهم، حيث تسعى لتخليصهم منهم. في هذا الصدد أشير إلى وجود مقال مهم بعنوان ” إبادة الفلسطينيين من أجل تحرير نسائهم” ويتطرَّق المقال بشكل مفصَّل لهذه المسألة، وما عليكم سوى الاطلاع عليه لفهم أكثر للموضوع(3).
نرى هنا أنَّ الأنظمة المستعمرة تقوم بتقديم نفسها على أنها تسعى من أجل السلام وتخليص الشعوب من قبضة حكَّامها، بينما هي تسعى لتضليل الرأي العام وتحقيق مصالحها.
خامسًا: احتكار المعلومة ووسائل الإعلام، ومنع الحوار، وفرض أحادية الخطاب الإعلامي:
يعتبر هذا المبدأ آخرَ الأسس التي تقوم عليها الدعاية الحربية الاستعمارية، وهو يهدف إلى التحكُّم في أهم وسائل الإعلام: من قنوات، وصحف… لأجل منع الطرف الآخر من التعبير عن نفسه أو إظهار رأيه، بهذا لن يتمكَّن المشاهد من طرح الأسئلة والاستفهام عن حقيقة الأمور الحاصلة على أرض الواقع. ويتم فيها الاعتماد على ” تلفزيون البيتزا” وهو الذي يجعلنا نستهلك ما يُعرض ونبتلعه دون أدنى تفكير أو تحليل للمعلومات.

[1] ميشال كولون Michel Collon هو صحفي وكاتب بلجيكي معروف بمواقفه الرافضة للحرب على غزة.
[2] ألقيت هذه المحاضرة باللغة الفرنسية بتاريخ 27 فبراير 2009 في المركز الإسلامي الثقافي لمدينة لياج البلجيكية. فيديو المحاضرة موجود على اليوتوب على الرابط التالي: http://www.youtube.com/watch?v=GUSzHR2zHoU&feature=related
[3] المقال بعنوان ” Massacrer les Palestiniens pour libérer leurs femmes “
موجود على العنوان: http://www.europalestine.com/spip.php?article3582
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s